راجح الخوري - النهار

… ومَن سيقطع رؤوس العصابة؟ – راجح خوري – النهار

إذا كان الرئيس #نجيب ميقاتي يراهن على إحياء مقررات “مؤتمر سيدر” الذي عقد في السادس من نيسان عام 2018 وأقر تقديم مساعدات وقروض ميسرة الى #لبنان بقيمة فاقت 11 مليار دولار، جاءت مشروطة بمروحة واسعة من الإصلاحات، فإن عليه ان يعيد بتمعنٍ عميق، قراءة تصريحات بيار دوكين سفير الرئيس #إيمانويل ماكرون لمتابعة تنفيذ مقررات ذلك المؤتمر، بعد زيارتيه البائستين الى بيروت ومقابلته المسؤولين، والتي يمكن اختصارها بكلمات قليلة قالها للصحافيين في قصر الصنوبر!

ففي نهاية زيارته الأولى فوجىء دوكين بالمسؤولين يطالبونه بتحويل القروض التي لحظتها مقررات “سيدر” الى هبات، والأشنع ان البعض قال له ما معناه، إذا كنتم قد صدّقتم أننا قادرون على تنفيذ الإصلاحات التي طلبتموها ووافقنا عليها في حينه فأنتم واهمون، لأن الواقع اللبناني معقد وليس من السهل إستئصال الفساد الذي ينخر في الدولة، ولهذا كانت كلمته للتاريخ: “لبنان بلد غير قابل للإصلاح”. وعندما جاء المرة الثانية في آذار 2019، أنهي زيارته بخلاصة يائسة عندما قال: “لم أجد شيئاً ايجابياً”.




يعرف ميقاتي جيداً انه شتّان ما بين ذلك الوقت وبين اليوم، بعدما صار لبنان الآن في أعماق جهنم، التي سبق للرئيس ميشال عون ان بشّرنا بها ودخلناها ظافرين، او بالأحرى حفاة عراة كأهل العصر الحجري، بل أسوأ، وهو يعرف بالطبع ان باريس لم تنقطع عن تكرار القول ان مساعدات “مؤتمر سيدر” لا تزال قائمة ولكنها تبقى مرهونة بتنفيذ الشروط التي اتفقنا عليها أي: الإصلاح الإصلاح الإصلاح، في حين ان لبنان الذي كان غير قابل للإصلاح كما قال دوكين، بات الآن غير قابل إلاّ للهدم والتدمير الكامل.

كل هذا ليس خافياً لا على عون الذي قال لمجلة “باري ماتش” في 27 آب 2020 ان الطبقة السياسية تحمي الفاسدين وتستفيد منهم، ولا على ميقاتي الذي سمع سلفه حسان دياب يعترف بأن الفساد أقوى من الدولة، ولا بد ان هذا يعني عملياً ان الفساد هو الدولة بتركيبتها وزعمائها وعصاباتها السياسية وتجارها ومقاوليها والذين يديرونها بالريموت كونترول الحزبي والسياسي من وراء الحدود او عبر الحدود الفالتة تهريباً ومازوتاً وبضائع لبنانية مدعومة!

ويعرف الرئيسان كما يعرف الجميع، شروط “سيدر”، وقد لوّح بها ماكرون قبل يومين عندما هنأ نفسه [ويا للعجب] بحكومة ميقاتي، مجدداً التأكيد على “ضرورة تطبيق امتثال السياسيين اللبنانيين للإلتزامات التي قطعوها من اجل السماح بتنفيذ الإصلاحات اللازمة لمستقبل لبنان، وتمكين المجتمع الدولي من تقديم المساعدة الأساسية له”، هذا في حين كانت واشنطن ولندن تشترطان أيضاً انخراط لبنان في الإصلاحات كمقدمة لتقديم أي مساعدة تنتشله من الإنهيار والدمار!

فهل بات لبنان قابلاً للإصلاح، والإصلاح يعني اقتلاع كل هذه العصابة السياسية الفاسدة كما وصفها عون، وإلقاءها في السجون او اشعالها بالنار المتأججة في صدور كل اللبنانيين، الذين أهينوا وتبدهلوا ويتم اذلالهم في كل لحظة؟!

وهل يخفى على عون وميقاتي ان إحياء مقررات “سيدر” يفرض الإصلاح، وان الإصلاح الحقيقي يعني ترتيب حفلة اسطورية لقطع رؤوس سياسية فاسدة، وهو ما قد يفرض الوصول حتماً حتى الى قطع رؤوس كثيرة في هذه الدولة، لأنها دولة السياسيين لا المواطنين، فهل هناك من سيقدر على الإنخراط فعلاً في كنس الوسخ والقائه خارجاً بدلاً من دفعه تحت سجادة الدولة؟

تبقى كلمة مهمة للرئيس ميقاتي: لا تكفي المراهنة على مخابرة ماكرون مع ندّه الإيراني ابرهيم رئيسي، التي سهّلت عملية تشكيل حكومة “معاً للإنقاذ”، ولا يكفي استطراداً الإفتراض ان خلاف الغواصات بين ماكرون وجو بايدن، سيفرز من النكاية الفرنسية بواشنطن ما يعمّق محاولات ربط لبنان بالمحور الإيراني!