فايننشال تايمز: هل يمكن للغرب الاعتماد على مقتدى الصدر لمواجهة التأثير الإيراني في العراق؟

قالت صحيفة “فايننشال تايمز” إن السياسي العراقي مقتدى الصدر يعول على اللحظة قبل الانتخابات العراقية لتعزيز موقعه.

وفي تقرير أعدته كلوي كورنيش قالت إن الصدر قرر ولفترة قصيرة سحب مشاركة كتلته في الانتخابات البرلمانية المقبلة. لكن زعيم أكبر كتلة في البرلمان والمعروف بتقلباته ومسرحياته السياسية تراجع عن قراره بعد شهرين. وبدلا من الابتعاد عن السياسة يأمل الصدر بمضاعفة حصته في البرلمان وتعيين رئيس الوزراء المقبل. ونقلت عن ضياء الأسدي، عضو الحركة الصدرية قوله إن الصدر “أعلن أننا نريد منصب رئيس الوزراء”. وظهرت مجموعة الصدر في السنوات الأخيرة كأكبر القوى السياسية في العراق وهو مصر على استخدام انتخابات تشرين الأول/أكتوبر لتعزيز نموها.




وتعلق الكاتبة أن الصدر الذي طالما وصفته الصحافة الأمريكية بأنه الأخطر في العراق، قد يكون مفيدا لصناع السياسة الخائفين من التأثير الإيراني، وربما كان بديلا عن الجماعات الأخرى المؤيدة لطهران.

وتقول لهيب هيجل، من مجموعة الأزمات الدولية إن العلاقة بين الصدر والغرب “قد تطورت بشكل كبير خلال السنوات الماضية”. و “ينظر للصدر على أنه بديل وطني وحاجز محتمل ضد الأحزاب الميالة لإيران”. وكصورة عن التغير في داخل الجماعة فقد التقى الصدريون الذين يعملون في الحكومة مع دبلوماسيين غربيين. وقال الأسدي “توجه التيار الصدري هو الانفتاح على العالم”. ويجب أن يكون هذا بناء على المصالح المشتركة كما قال “لا يحق لأي دولة التدخل في شؤون العراق”.

وأشارت الصحيفة إلى التغير الذي طرأ على مسيرة الصدر الذي قاد بعد الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، ميليشيات لقتال القوات الأمريكية. واتهم أفراد في الميليشيا المعروفة باسم “جيش المهدي” بارتكاب جرائم ضد السنة في الحرب الطائفية التي عمت العراق بعد الغزو، إلا أن الصدر أعاد تشكيل صورته ليصبح معاديا للمؤسسة وحاميا للمحرومين وأصبح لديه حضور داخل الطبقات العاملة الشيعية. وفي عام 2018 قاد الصدر ائتلافا حصل على مقاعد أكثر من كتلة في البرلمان العراقي المكون من 329 مقعدا. وأسهمت نسبة المشاركة الضعيفة بمضاعفة حصة التيار عن عام 2014 وحصل على 54 مقعدا. ومشاركة متدنية في انتخابات تشرين الأول/أكتوبر قد تصب في صالح الصدر مرة ثانية. وقال الأسدي “مع أننا قد لا نفوز بمئة مقعد” و “لكنني أعتقد أن العدد سيزيد”. وبناء على النظام البرلماني الذي أنشئ بعد الإطاحة بنظام صدام حسين، فلا حزب لديه القدرة على تأمين الغالبية البرلمانية، وعلى الأحزاب التشارك في السلطة. ولم يتول الصدر أي منصب في الحكومة بعد انتخابات عام 2018 إلا أن تأثيره زاد في ظل حكومة مصطفى الكاظمي الذي يعتمد على الصدر لموازن القوة مع النواب المؤيدين لإيران وبعضهم مرتبط بميليشيات مسلحة.

وظل العراق منذ سقوط صدام ساحة حروب بالوكالة بين إيران والولايات المتحدة التي ساعدت قواتها، 2.4500 جندي، على هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية الذي سيطر مرة على مساحات واسعة من العراق، إلا أن القوات الأجنبية ظلت هدفا للجماعات الشيعية الموالية لإيران، وهو ما كان مصدر إحباط للأمريكيين.

وتشير الصحيفة إلى أن الصدر الذي نظر إليه في المراحل الأولى من جيش المهدي على أنه وكيل إيراني، لا يخفي اليوم معارضته للوجود الأجنبي في العراق بما في ذلك إيران. وهذه أخبار مفرحة للغرب. وتقول مارسين الشمري، الزميلة في مدرسة كيندي بهارفارد “يسألون، أخبرونا عن الصدر، هل هو معارض حقيقي لإيران، وما هو موقفه من الولايات المتحدة وما هي مساحة التعاون معه؟” وأضافت “لا أحد يصدق ألا علاقات له مع إيران أو أنه لن ينحرف نحو تحالف إيراني” و “لكنه في الوقت الحالي، يستطيع أن يشير ويقول، انظروا إنهم هم الذين يرمون الحجارة على السفارة الأمريكية (أي الموالين لإيران).. وعلينا أن نكون لاعبين عقلانيين وواقعيين ونضع مصالح العراق في مركز اهتمامنا”.

وقال دبلوماسي غربي إن الصدريين اتخذوا “قرارا مقصودا للتواصل مع بريطانيا والولايات المتحدة”، واعترفوا أن لعب دور بارز في الحكومة يؤدي إلى علاقات مبدئية مع الحكومات الغربية نافعة. ولكن متحدثا باسم السفارة الأمريكية في بغداد نفى أي اتصالات من الصدريين، أما بريطانيا فامتنعت عن التعليق.

ولا يتفق الجميع على إمكانية فوز الصدريين وبشكل واسع، فتقلبات زعيمهم مقتدى الصدر وبلطجة عناصرهم قد تؤدي إلى خسارة ناخبين. وقالت هيجل إن قرار الصدر التخلي عن دعم التظاهرات الشعبية التي اندلعت وسط وجنوب العراق في تشرين الأول/أكتوبر ربما أدى إلى تداعيات سلبية. ففي الوقت الذي بدا أن لديه قبل 2018 أجندة إصلاحية إلا أن معظم هذه الصورة قد تهشم و “من الصعب عليه الحصول على نفس المقاعد أو زيادتها”. وتبدو سيطرته على السلطة واضحة من إدارة حلفائه قطاعا كبيرا من الدولة التي يستشري فيها الفساد، وبخاصة وزارتي الكهرباء والصحة. وفي بحث لتشاتام هاوس في لندن نشر في حزيران/يونيو أظهر أن الصدريين لديهم نصيب الأسد من “المناصب الخاصة”، والمؤثرة في قطاع الخدمة المدنية والتي تتقاسمها الأحزاب السياسية. ويدير الصدريون مكتب رئيس الحكومة. ويقول توبي دودج، الأستاذ في مدرسة لندن للاقتصاد إن الصدريين يعملون من تحت الرادار لكنهم كانوا “قوة مدمرة أكثر من اللاعبين الآخرين الذين قوضوا نسيج الدولة العراقية عبر الفساد وتجريدها من أرصدتها”.

ويكشف صعود الصدريين عن تطور الأحزاب العراقية منذ غزو 2003، حيث أصبحت الفصائل التي كانت تحصل على القوة عبر العنف، مندمجة في الدولة. وقال فرهاد علاء الدين رئيس المجلس الاستشاري العراقي “لم يعد الصدريون اليوم كما كانوا في 2004 وأساليبهم مختلفة”. ورغم محاولتهم العمل كخارجين عن النظام إلا أن “هذه الحركة تؤمن وبقوة أن نجاتها تكون من خلال النظام والبقاء كجزء من النظام”.