أين الحقيقة في موضوع ترسيم الحدود؟

روزانا بومنصف – النهار

 أين المشكلة في عدم توقيع رئيس الجمهورية العماد #ميشال عون المرسوم 6433 المتعلق بتعديل #الحدود البحرية الى الخط 29 بدلا من الخط 23 وفق ما كان أرسل #لبنان الى الامم المتحدة حيث اودعها ما توصل اليه بناء على الدرسات التي اجراها في هذا الصدد؟ السؤال يثار من باب أن هناك اتهامات لا بل تخوينا ضمنيا ازاء التعاطي مع ملف الحدود البحرية ليس معروفا تماما من يقف وراءه اولا في ظل غياب اي اجتماع على مستوى عال سابقا برئاسة رئيس الجمهورية الذي امسك بهذا الملف على قاعدة أنه هو من يفاوض من أجل توضيح الصورة في حين أن الاتهامات حول عدم توقيع المرسوم المتعلق بتعديل الحدود البحرية شارك فيه من يدور في محيط رئيس الجمهورية في التحامل على رئيس الحكومة السابق حسان دياب وعلى وزير الاشغال السابق الموالي لرئيس تيار المردة سليمان فرنجيه. وحين وقع دياب والوزير السابق ميشال نجار المرسوم تراجع عون ورفض التوقيع. وتردد ان عدم توقيعه على المرسوم يتصل بسعيه الى بيعه هذا الموقف من الاميركيين من اجل رفع العقوبات الاميركية عن صهره جبران باسيل. وواقع الامر ان الاشكالية حول الحدود راهنا لا تزال في ملعب رئاسة الجمهورية من اجل ترؤس اجتماع يضم جميع الافرقاء المعنيين باعتبار انه حتى لو ان رئيس الجمهورية يتولى ملف التفاوض، فملف الحدود البحرية يجب ان يقع من ضمن موافقة الجميع لا سيما في ظل فقدان موقع الرئاسة الاولى ثقة اللبنانيين في الدرجة الاولى. وهذا واقع لا يمكن التعامي عنه في الوقت الذي تظهر الاشكالية ازاء اين تكمن الحقيقة وما هو موقف لبنان فعلا وما إذا كان سيعدل المرسوم ام لا ولماذا؟ وهل هناك من يحتكر الوطنية فيما يفرط الاخرون بالحقوق الوطنية ام هي شعبوية او توظيف سياسي لاهداف متعددة ومختلفة؟ ومن يحمل لواء الوطنية في هذا السياق في مقابل الاتهامات التخوينية للاخرين؟




المعلومات الديبلوماسية التي استقتها ” النهار” من مصادر ديبلوماسية اميركية منذ بعض الوقت افادت عن استغراب شديد ازاء الحملات حول تعديل الحدود البحرية الى النقطة 29. اذ ان الوساطة الاميركية العاملة على خط نقل المواقف وتليينها بين لبنان واسرائيل كانت نقلت الى المسؤولين اللبنانيين ان اسرائيل لن تقبل الجلوس الى طاولة التفاوض في حال أصر لبنان على تعديل الحدود البحرية لا سيما ان اسرائيل استثمرت أكثر من 2,5 مليار دولار في المنطقة المتنازع عليها فيما ان لبنان لم يتحدث او يثر مسألة هذه المنطقة قبل حصول الاستثمار الاسرائيلي. فلبنان كان أرسل قراره الذي كان اتفق عليه من ضمن لجنة شارك فيها كل من ” حزب الله” والتيار العوني انذاك حول احداثيات حدوده البحرية وفقا للنقطة 23. وحين اثار لبنان مسألة تعديل المرسوم المتعلق بالحدود البحرية قبل توقف المفاوضات بين الجانبين اللبناني والاسرائيلي في الناقورة، فان هذه المصادر تعتقد ان لبنان فوت فرصة مهمة جدا لا سيما في ظل وضعه الكارثي بحيث أن نجاح انطلاق المفاوضات كان سينعكس عليه إيجابا ويفتح أمامه آفاق جديدة. فرئيس الجمهورية تراجع على أثر رفضه الضغوط من محيطه من اجل توقيع المرسوم وكان هذا الامر لافتا الى حد كبير نظرا الى رؤية عون لإدارة البلد كما مفاجئا رفضه لهذا الضغط تحديدا وعدم الخضوع له كما للحملات التي قامت من اجل اقناعه بالتوقيع على خلفية انه لا يمكن حمله على توقيع ما لا يراه مناسبا لمصلحة لبنان على هذا الصعيد. رؤية رئيس مجلس النواب نبيه بري للموضوع في عز هذه الحملات وفي ضوء التزامه مع الاميركيين انطلاق مفاوضات الترسيم وعلى اي قواعد نتيجة الموقف الرسمي سابقا من اعتماد النقطة 23 تمثلت في ابتعاده عن خوض المعركة بين الاتجاهين ولم يشهد له ادلائه بدلوه على نحو حاسم في هذا الإطار لا سيما ان الكرة اصبحت في ملعب رئيس الجمهورية الذي جهد لانتزاع الملف من بري. ومع وجود الرئيس نجيب ميقاتي في رئاسة الحكومة راهنا فان الحكومة السابقة التي ترأسها في العام 2011 هي من تولت إصدار المرسوم 6433 بعدما كلّفت الحكومة في حينها المكتب الهيدروغرافي البريطاني من اجل دراسة هذا الموضوع. وفي خلاصة الامر، تبنت الحكومة اعمال اللجنة التي تألفت في نهاية العام 2008 كما تبنت القرار الذي صدر عن مجلس الوزراء في العام 2009 مع العلم ان حكومة ميقاتي في 2011 كانت تضم في شكل خاص ” حزب الله” والتيار العوني الذي حصل على ثلث مجلس الوزراء انذاك كما تضم وزراء لبري وزعيم الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط.

من الواضح أن حسابات كثيرة دخلت على الخط وهي معروفة جيدا على الصعيد الديبلوماسي فيما يعتقد ان لبنان المفاوض وضع نفسه في الزاوية وفقا لهذه الاعتبارات بحيث بات مستحيلا الجلوس الى طاولة المفاوضات من اجل التفاوض انطلاقا من النقطة 23 بدلا من النقطة 29 اي السقف العالي الذي حدده لبنان ولو من دون توقيع رئيس الجمهورية مرسوم التعديل خشية الاتهام بالتخوين او الخضوع لمطالب اسرائيل وشروطها. وما لم يحسم لبنان موقفه الواضح والصريح بازالة الاشكالية حول احداثيات الحدود البحرية سيكون متعذرا على لبنان اي تقدم في هذا الملف، وربما هذا ما يريده البعض لاهداف واضحة بالنسبة الى افرقاء سياسيين محليين وإقليميين. اذ ان هذه الاشكالية تشبه الى حد ما تلك الارقام التي تضمنتها الخطة الاقتصادية لحكومة حسان دياب والتي توجهت بها للتفاوض مع صندوق النقد الدولي فيما طعن بهذه الارقام مجلس النواب الذي تتألف منه الحكومة بالذات، هذا عدا عن الخلافات في عدم التوافق مع المرجعيات المالية والمصرفية في البلد. ولذلك يبدو غريبا استمرار التوظيف السياسي في ملف الحدود البحرية من دون حسمه بين اهل السلطة الظاهرين والمستترين فيما انه ليس واضحا إذا كان ابقاء الاشكالية قائمة حول الحدود مقصودا ام هو نتيجة ارباكات داخلية في ظل التطاحن المتعدد الاوجه في لبنان في الاعوام الاخيرة.