سمير عطا الله

الرمان من السنديان – سمير عطالله – النهار

لست من المتحمسين للمقارنة بيننا وبين الآخرين مع أنني ارتكبت ذلك كثيراً. فعندما يحدث لنا حدثٌ مالي نستلّ سويسرا من بحيرة الليمان لنضعها في نهر الكلب. وإذا طالت أزمة سياسية تدافع كتّابنا، العارفون منهم وكفّ العدس، إلى الحديث عن الجمهورية الثالثة والرابعة والخامسة، كأن أخلاق رينه كوتي أو عظمة شارل ديغول، مشعّة في الحارة التحتا، أو على درج العكاوي.

سبب ذلك أن كثيرين قرأوا، أو درسوا التاريخ والآداب الفرنسية وعرفوا التفاعل بين البلدين، عشقاً وعِقَداً أو رفضاً، فبسطوا على العلاقة بساط “السان فاسون”، وفقدت المقارنات منطقها على طريقة الديناصور الذي قيل إنه انقرض قبل 165 مليون عام، بعدما كبر جسمه وظل رأسه صغيراً إلى درجة تفجرت معها النسبية وصاحبها.




لم يحدث هذا الاصطدام بين #لبنان و#فرنسا فقط. حصل على تلقائية مَرَضيِّة بين دول الانتداب والدول الناشئة في بقاع كثيرة. في افريقيا الوسطى عيَّن جان بيدل بوكاسا نفسه امبراطوراً بعدما كان مؤهلاً في “الفرقة الأجنبية”، والمؤهل عيدي امين في اوغندا عيَّن نفسه ملك اسكوتلندا. والمؤهل جوزف موبوتو في الكونغو، ليوبولدفيل، اعلن نفسه الامبراطور سيسي سيكو. مبروك.

لكن الخلل لا يدوم. الأربعة انتهوا في مهزلة، في تاريخ التهريج والدماء. وعذراً من العودة إلى ابن خلدون في ان المغلوب يقلّد الغالب. عيدي امين يقلد الانكليز، وموبوتو يقلد البلجيكيين، وبوكاسا الفرنسيين.

كانت علاقتنا مع فرنسا معقّدة. منا ايضاً من قلّد مفكّريها وجامعاتها ورامبو. وبعض سيداتنا دخلن صالات الجمال قبل سيدات فرساي. لم يكن كل التقليد مضحكاً أو مقززاً. بعضه كان تلقائياً وجميلاً. الشاعر موريس عواد كان طباخاً، وترجم اصعب واجمل عمل فرنسي: “الأمير الصغير”. وهو عمل لم يقربه ويجرؤ عليه من قبل سوى يوسف غصوب. كما لم يجرؤ على ترجمة “البارك الشابة” لفاليري سوى رواد طربيه. لكن غصوب وطربيه وادونيس وخليل رامز سركيس، الذين انصرفوا إلى ترجمة التحف الفرنسية المعقدة النص، كانوا من عقلاء الزمان ويمتلكون سبر الغموض في لغة الآخر. فكان انهم نقلوا الابداع من دون ان يخدشوا زجاجه الملون.

لذلك عشق الفرنسيون فرنكوفونية اللبنانيين وقدرتهم على التماهي مع روح النص الفرنسي. وهم من نقل هذا النص، بإيقاعه، في الاتجاهين، بدقة اكثر من سواهم. وذات مرحلة كانت مبيعات “الاوريان” قي بيروت اوسع من مبيعات الصحف العربية.

أطلقت باريس اسم “ساحة بيروت” على إحدى أرقى ساحاتها، قرب مطاعم “نورا” بعدما شهدت كيف ينافس المطعم اللبناني المطعم الفرنسي، في معظم الدوائر العشرين، وحتى عند الاطفال في “والت ديزني”. وكان العميد ريمون اده، الذي يقع فندقه في مواجهة “نورا” يشاهد إقبال الناس على المكان ويعلّق “لا يتوحد اللبنانيون إلا في هذا المكان”.

في الرابع عشر من تشرين الأول يقام في “ساحة بيروت” احتفال لتكريم نادر بو انطون، مؤسس “نورا”، يتسلم خلاله وساماً من الرئيس السابق نيكولا ساركوزي. ليس فقط بسبب فن الطبخ الذي يضع الفرنسيين في المرتبة الأولى عالمياً واللبنانيين في المرتبة الثالثة. بل لأن المطبخ اللبناني اضاف ايضاً إلى حلاوات باريس وتنوعها، وصار جزءاً من معالم العلاقة المتطورة وحجمها الوسيع، المتمثل في حوالي 500 مطعم، بينما مطاعم بيروت تفرغ وعمالها يهاجرون وزوارها وعاشقون ممنوعون من القدوم.

لا أقارن. لن أقع في متاهات سعيد عقل. عندما كتبت قبل ثلاثة اسابيع أن الأفضل للبنان أن تكون الرئاسة للمسيحيين وليست حصراً للموارنة، تلقيت عدداً من الردود العاطفية والعاقلة، أحدها من سياسي عريق سابق يقول “ان الأمة المارونية قائمة منذ 13 قرنا”. أنا لم اتحدَّث عن تاريخ الموارنة. وليس من شأني ولا من خلقي ان اشكك فيه. وانا، كان ولا يزال لي رؤية واضحة لحياة لبنان، ومن اركانها ان يمنع الموارنة سياسييهم وفاسقيهم وصغار الأنفس، من بيع لبنان، بالجملة أو المفرق، في الاسواق المغلقة والمفتوحة. ان الوجود طوال 13 قرناً لا يساوي ولا يباري، دمعة أمّ على المرفأ ولا ذلّ المجاعة، ولا ذلّ الهجرة، ولا ذلّ “الأمة المارونية” في ان تكون حقوقها في إذلال كبارها والتغوّل عليهم، وإقامة حق جديد للمسيحيين ليس فيه بكركي ولا انطاكيا ولا الذين عاشوا 13 قرناً لكي يصل بهم الأمر إلى توسل الخبز والحليب والحقائب.

سوف يأخذ عباقرة السياسة علماً، بعد فوات الأوان، أن حركة هذا العالم تغيرت. وعلى سبيل المثال اصبح البرتو سليم الذي من جزين، اغنى رجل في العالم، ليس لأنه تابع الزراعة في “غريبة” على تلالها، كما دعا صاحب الصورة في تلال اللقلوق. اغنى رجال العالم إلى جانب سليم اليوم، لا أحد منهم يعمل ويتاجر في جرود البترون.

تبلغ ثروة جو بيزوس، الأول بين اغنى عشرة في العالم، 176 مليار دولار. ما من احد من العشرة يعمل في الصناعة أو الزراعة أو تربية النحل والترغل. دولة في حجم لبنان لا توازي جلاً أو ساقية في ولاية اميركية أو بادية روسية. عندما اختارت جمعية “سميثسونيان” إحدى المؤسسات القلمية في واشنطن، الرجال الأكثر تأثيراً في مجتمع العاصمة والبلاد، كان بينهم بشارة نمّور. ليس لأنه محام، بل لأنه رجل اعمال يملك سلسلة فنادق ومطاعم حول العالم، ولأنه استطاع التأثير في ذوق المواطن الاميركي ونهج حياته.

هل اللبنانيون في حاجة إلى من يعلمهم كيف يزرعون مسكبة نعنع في الضيعة؟ يجب إبلاغ رئيسنا الآتي ان بعض اللبنانيين يلقّحون السنديان رماناً. وأحمر حلو. اللبنانيون في حاجة إلى من يحمي أموالهم وأرزاقهم من قطّاع الطرق غير المقنّعين. من بائعي الامانات ومستقبل الشباب. من مغرقي لبنان في العتم وظلام القلوب وامراض الزبالة.

سألت “الكونسييرج” في باريس عن زوجها، فقالت انه مريض ويعالج في مستشفى جورج بومبيدو. طبعاً من دون ان يدفع قرشاً واحداً. وسألت عن صديق من الميسورين العرب، فقيل لي انه مريض يعالج في مستشفى بومبيدو ولا يدفع قرشاً واحداً. وخلال مرضه، عولج الرئيس بومبيدو في هذا المستشفى ولم يدفع قرشاً واحداً. معاذ الله ان اقارن، بين الدولة التي اقامت عندنا مستشفى اوتيل ديو والكلية الطبية، والدولة التي تترك مواطنيها من دون حبة اسبيرين. بين سيادة الدولة الفرنسية التي تستدعي سفراءها من اميركا واوستراليا وبريطانيا، وبين الزعيم الماروني الذي يتطلع في وجوهنا ويبلغنا انه جاء لنا بالسيادة ولم يبقَ سوى الإصلاح. هذه ليست علّة النظام الذي نطالب بتغييره. ولا علّة الدستور. ولا خصوصاً علّة الميثاق. هذه علّة الغطرسة الفارغة التي لا تدرك ان اول مفهوم للسيادة هو كرامة المواطن وحدود وطنه واحترام عَلمه. السيد الوزير الذي أجري محادثات رسمية مع السيدة وزيرة الدفاع والخارجية في حكومة صاحب السعادة، من دون ان يُسمح برفع علم لبنان، هو الرجل نفسه الذي كان مندوب #سوريا في الأمم المتحدة يوم قُتل جبران تويني وادلى بالتصريح السيادي الشهير: هل كلما قُتل كلب في لبنان يجب ان يتهموا به سوريا؟

العَلَم، على رمزيته، تفصيل بسيط، لكن رَفعه يؤكد احترام العلاقة بين الأهل والمودة بين الاشقاء. هنا لسنا امام مجرد مقتل كلب آخر، بل امام حضور وزيرة صديقة، تمثل السيادة التي اعادها لنا ملك التواضع والديبلوماسية والدماثة.

العلاقة العائدة مع سوريا في حاجة إلى تجنب شوائب الماضي، وليس العكس. هذه علاقة قائمة منذ الأزل وباقية مدى الدهر. ويحسن ان يتولاها مَن يُحسن تعميقها وتطويرها وعدم الاساءة اليها. ليس من سيادة سوريا ابداً أن يهان لبنان. على الأقل ليس في هذه المرحلة التي يمر بها البلدان.
الكلمات الدالة