العم سام وإهانة فرنسا من سورية إلى أستراليا – د خطار ابو دياب – نداء بوست

تفاقمت في الأيام الأخيرةأزمة الغواصاتبين باريس من جهة وواشنطن وكانبيرا ولندن من جهة أخرى، وبان للعيان التصدع في المعسكرالغربي، لكن الغضب الفرنسي له جذور أخرى تتصل بنهج واشنطن التي لا تحترم حلفاءها ولا تعاملهم بمنزلة شركاء. وسيترك هذا الشرخأثره في الساحة الدولية وفي تطورات المسألة السورية وقضايا الشرق الأوسط بشكل أو بآخر. لكنه يمثل مؤشراً لخلط الأوراق في مرحلة مابعد الانسحاب من أفغانستان والتركيز الأميركي على مسعى احتواء الصعود الصيني.

شكّل الإعلان في الخامس عشر من أيلول/سبتمبر الحالي عن إلغاء العقد الأسترالي مع فرنسا انطلاقاً من البيت الأبيض، وبالتزامن معإبرام حلف أوكوس الأميركيالبريطانيالأسترالي صدمةً كبيرة لباريس التي انتابها شعور بالمهانة للطعنة التي تلقتها، وأدخل تحالفواشنطن مع لندن وكانبيرا العلاقات الأميركيةالفرنسية في أزمة تشبه أزمات شهدتها حقبة دونالد ترامب، رغم أن الإدارة الأميركية الحاليةبقيادة جو بايدن تحركت من أجل إعادة العلاقات مع أوروبا لسابق عهدها بزيارة وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن إلى باريس فيحزيران/يونيو الماضي تحت عنوان إعادة مسارالعلاقات العابرة للأطلسيإلى أصلها القديم.




ويظهر أن تبعات الأزمة الراهنة يمكن أن تلقي بظلالها على التباين بين أوروبا وأميركا الذي جاء عقب أزمة الانسحاب من أفغانستان، وربمايؤدي ذلك على المدى المتوسط إلى رسم تحالفات جديدة خاصة مع تمسك عدد من دول الاتحاد الأوروبي بمقترحتأسيس قوى عسكريةأوروبيةموازية لحلف شمال الأطلسي أو متمتعة باستقلالية داخل إطاره. لكن قراراً من هذا النوع داخل المؤسسات الأوروبية سيرتبطبالقرار الألماني بعد أنجيلا ميركل، وبالوضع الفرنسي بعد الانتخابات الرئاسية في ٢٠٢٢.

بانتظار نهوض أوروبي طال تأخره، سيكون لأزمة الغواصات انعكاسها المباشر على العلاقة الفرنسيةالأميركية. ويعتبر عدد كبير منالفرنسيين المعنيين أن مسألة الانسحاب الأفغاني وقضية الغواصات الأسترالية، دللتا حسب جيرار آرو (السفير الفرنسي السابق فيواشنطن) على أنالرئيس الأميركي جو بايدن يحتقر فرنسا وأوروبا، وقد حان الوقت لاستخلاص النتائج“. وأكثر من يمكنه الشهادة علىالغطرسة الأميركية” (وفقاً لتعبير الكاتب السياسي رينو جيرار) هو جان إيف لودريان وزير الخارجية الفرنسي الحالي ووزير الدفاع سابقاًفي عهد فرنسوا هولاند)، لأنه كان الشاهد على إلغاء واشنطن في اللحظة الأخيرة عملية جوية مشتركة مع الفرنسيين والبريطانيين، حسباتفاق ثلاثي من أجل وضع حد للانتهاكات الفظيعة التي قام بها النظام السوري عقب استخدام السلاح الكيميائي في آخر أب/أغسطس٢٠١٣. وهذه الأيام كان لودريان أيضاً الشاهد على إلغاء عقد الغواصات الأسترالي.

يسرد لودريان في لقاء صحفي أجري معه قبل أزمة الغواصات، كيفية قيامالعم سامبإهانة فرنسا في الملف السوري، إذ قال: إنيوم31 آب/ أغسطس من عام 2013 هو اليوم الأكثر رسوخاً في ذهنه عبر مسيرته الوزارية الممتدة زهاء عقد من الزمن بين حقيبتي الدفاعوالخارجية، إذ إنارتكاب النظام السوري للهجمات الكيمائية في شهر آب/ أغسطس 2013 هي ذكرى مأساوية بكل ما تعنيه الكلمة منمعنى، وهو أكثر حدث ترك انطباعاً لدي في عملي السياسي والوزاري“. وفي التفاصيل حدد لودريان بأنّالرئيس الفرنسي السابقفرانسوا هولاند طلب منه بوصفه وزيراً للدفاع إعداد خطة مع رئيس الأركان الفرنسية لمحاسبة النظام على ارتكابه لتلك المجزرة“. وأردفلودريان بأن تراجع الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما عن محاسبة النظامرغم حصوله على التفويض من الكونغرس الأمريكيقدتسبب في صدمة بالغة الأثر للرئيس هولاند وفريقه. وبالفعل كانت المقاتلات الفرنسية على أهبة الاستعداد للانطلاق وعادت إلى مدارجها بعدتراجع البيت الأبيض، والغريب حينها أن فريق الرئيس الأسبق باراك أوباما لم يكلف نفسه عناء تبرير ذلك أمام حليفه، بل يعقد صفقة معروسيا بموافقة إسرائيلية ويتبين أنه كان يفتش عن طمأنة إيران وتحقيق صفقة الاتفاق النووي. هكذا تم استخدام الساحة السورية من أجلتمرير رسالة أميركية إلى إيران، ومن أجل التأكيد على استبعاد فرنسا أو عدم أخذ رأيها بالحسبان لصالح التأقلم مع الدور الروسي (وكأنفي ذلك غمزة من قناة التاريخ لكسوف دور فرنسا الشريكة في اتفاقية سايكسبيكو منذ قرن من الزمن).

لقد حجبت الولايات المتحدة وأستراليا والمملكة المتحدة قرار إلغاء عقد الغواصات، وتم حبك الأمر خلسة وبالخفاء، وتحمّس بوريس جونسونلذلك، لأنه بعد البريكست راهن على الوصول إلىبريطانيا العالميةمن خلال جعل بلاده قوة آسيوية. ويمثل التطور الأخير من دون شكضربة كبرى لفرنسا ودبلوماسيتها ومكانتها الإستراتيجية، ولا يحترم هذا النهج الأميركي التحالف الأطلسي أو العلاقة مع الاتحاد الأوروبي.

في المقابل يعتبر أحد الخبراء الأميركيين أن تصرف إدارة بايدن في موضوع الغواصات يمثل من ناحية الإعلان تعويضاً محدوداً للتراجع فيأفغانستان ولفت النظر للتركيز على الصين، ويخفي ذلك تحذيراً قوياً لفرنسا التيعارضت إدراج الخطر الصيني في عقيدة حلف شمالالأطلسي قيد الإعداد، ويرى فيه البعضعقاباً لفرنسا ضد استقلاليتها التي عبرت عنها في العراق ولبنان وأماكن أخرى“.

في مطلق الأحوال، لن يندمل الجرح ببساطة بين فرنسا ودول حلفأوكوس“. وإذا لم تمنح إدارة بايدن باريسجائزة ترضيةفي بعضالملفات الثنائية أو الدولية، سيكون إيمانويل ماكرون محرجاً وفي موقع صعب قبل ثمانية أشهر من الاستحقاق الرئاسي.