النفط الإيراني داخل لبنان.. حزب الله وحقيقة الحصار والانتصار

أصبح النفط الإيراني أخيراً داخل الأراضي اللبنانية، بعدما أفرغت البواخر الإيرانية حمولتها في بنياس- سوريا، ونُقلت عبر صهاريج إلى لبنان، وحطّت رحالها في مدينة بعلبك، لتوزّع لاحقاً على المستشفيات والمطاحن وبعض أصحاب المولّدات، كما صرّح أمين عام حزب الله حسن نصرالله.

استُقبلت هذه الصهاريج بحفلة تخلّلها رصاص و”آر بي جي” وزهور، زفّة من شعب كان ينتظر تحرير القدس، ولكن اقتصر الموضوع على بعض من الصهاريج النفطية الإيرانية، لتبدأ حقبة جديدة من الانتصارات الوهمية التي وضعها حزب الله تحت شعار “كسر الحصار”.




الحصار المزعوم

أطلّ الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله بخطاب، في 18 أغسطس/آب، قال فيه إنّه سيستقدم بواخر إيرانية من أجل تأمين المحروقات، وسدّ حاجة السوق اللبناني، نتيجة عدم فتح حاكم مصرف لبنان رياض سلامة الاعتمادات المطلوبة كي تفرّغ البواخر الأخرى حمولتها.

في سياق الخطاب، هدّد نصر الله إسرائيل والإدارة الأمريكية من التعرّض لأي من هذه البواخر، ولكنّه كان يعلم ضمناً أنّ لا إسرائيل ولا الإدارة الأمريكيّة ستقومان بهذه الخطوة. فاستقدام هذه البواخر يأتي بضوء أخضر من الإدارة الأمريكية التي قد تستغلّ هذه الخطوة لصالحها لإبرام الاتفاق النووي مع إيران.

كما أنّ الحصار يقع على عاتق الدولة الإيرانية وكذلك الدولة السورية، فلبنان ليس عليه أي عقوبات إلّا على بعض الشخصيات السياسية الذين يمكن استبعادهم من المناصب الوزارية، كما استُبعد علي حسن خليل- وزير حركة أمل وعليه عقوبات أمريكية- عن وزارة الماليّة.

الخوف من العقوبات في لبنان يتمثّل في الشخصيات السياسيّة، فعلى سبيل المثال كانت ستفرغ البواخر الإيرانية حمولتها في معمل الزهراني جنوب لبنان، لكن بحسب المصادر، رفض رئيس مجلس النّواب ورئيس حركة أمل نبيه برّي ذلك، إذ قال لنصرا لله إنّه في حال حصل ذلك ستنفّذ العقوبات عليه شخصيّاً وبطريقة مباشرة، ما دفع إلى إبرام اتفاق مع النظام السوري وتفريغها في منطقة بنياس.

وعن جديّة الحصار فمن غير المسموح للدولة اللبنانية أو أي دولة أخرى التعامل مع النظام السوري بسبب قانون قيصر، ما يعني أنّه كان من المحتمل أن تتحمّل الدولة اللبنانية أعباء هذه العقوبات فقط، لأنّ الحمولة أفرغت في سوريا. بمعنى آخر، ليس مهمّاً إن أفرغت البواخر الإيرانية في لبنان أو سوريا، ما دامت الدولتان تعانيان من حصار وعقوبات، أي الحقيقة مثبتة وواحدة: تعامل لبنان عبر حزب الله مع هاتين الدولتين بشكل مباشر، وأتت هذه الصهاريج عبر سوريا في وضح النهار، ولم تتّخذ إدارة جو بايدن، رئيس الولايات المتّحدة الأمريكية أي إجراء في هذا الموضوع.

هذا يعني أنّه لا بدّ من وجود موافقة أمريكية مبطّنة، والحكومة اللبنانية الجديدة برئاسة نجيب ميقاتي لن تضع نفسها أمام هذا الموقف المحرج، وهي في أمسّ الحاجة للمساعدات الخارجية، أهمّها من صندوق النقد الدولي والبنك الدّولي.

باختصار، يمكن القول إنّ هذا الحصار كان مزعوماً، فيما الحقيقة هي أنّه لم تكن هناك موافقة أمريكية وفرنسية وإقليمية على رئيس الحكومة السّابق حسّان دياب، لأنّ حكومة ميقاتي هي أيضاً حكومة حزب الله والتيار الوطني الحرّ. الفرق اليوم أن على الصعيد الإقليمي اختلطت الأوراق، وأوجد اتفاق فرنسي-إيراني برعاية أمريكية، سمح بكلّ ما ذكر أعلاه.

عودة الهيبة

لا شكّ بأن حزب الله خسر شيئاً من هيبته مع بداية ثورة 17 أكتوبر/تشرين الأول، وحتى يومنا هذا. أصبح خطاب الأمين العام مادّة للسخرية والانتقاد على مواقع التواصل الاجتماعي، أو لجمع التناقضات وعرضها. فلم يعدّ نصرالله محطّ الثّقة كما كان منذ العام 2006 وحتى 2019، ولا يقتصر ذلك على المعارضين فقط، بل أيضاً على أبناء محيطه، إذ إنّه خسر بعضاً من شعبيته. والدليل على ذلك، كلّما ارتفعت أسعار السلع الغذائية أو المحروقات يتوجّه أهالي الضاحية الجنوبية إلى الشارع وينادون للمساعدة.

لذا، كان لا بدّ أوّلاً من استرجاع الثقة بينه وبين أبنائه وجمهوره، وثانياً الهيبة المفقودة. وبخطابه الأخير بداية الأسبوع الحالي، استطاع أن يَدخل حسن نصرالله معظم البيوت اللبنانية، مستغّلاً معاناة الشعب اللبناني ونفاد صبرهم كي يقبلوا بأي مصدر للمحروقات، المهم توفّرها. وهذا حصل فعلاً، عاد التصفيق لحزب الله بتصويره المنقذ لهذه المرحلة العويصة التي يمرّ بها لبنان. فإنّ عودة الثقّة هذه كانت محطّ اهتمام لحزب الله، خصوصاً قبل موعد الانتخابات النيابية المقرّرة في 8 مايو/أيار من العام المقبل.

الانتصارات الوهمية

للخوض في تفاصيل استجرار البواخر، فأي انتصار هذا باستقدام بواخر لا تكفي لشهر واحد؟! ثمّ إنّه كان من الأَوْلى لحزب الله المتغلغل في مؤسّسات الدّولة، الذي حصل على ترقية من دويلة إلى دولة قائمة بحدّ ذاته، أن يضع حدّاً للتهريب القائم على الحدود اللبنانية-السورية غير الشرعية، أو إلقاء المساهمة في إلقاء القبض على كلّ من خزّن المحروقات.

عمليّاً، لبنان لا يعاني من شحّ في المحروقات، فهي موجودة وبكميّة يمكن أن تؤمّن حاجات اللبنانيين، لكن المشكلة في التهريب إلى سوريا التي تعاني من قانون قيصر وبالتّالي لا يمكنها الاستيراد، فقد ساهم ذلك في شحّ هذه المادّة، بالإضافة إلى التخزين المفرط لدى بعض التجّار والمستوردين.

كما أنّه لا مصلحة للبنان بإقامة العلاقات مع سوريا مجدّداً، إذ لن تجدي نفعاً كوْن سوريا تعاني اقتصادياً واجتماعياً أكثر من لبنان، فما اللقاء اللبناني-السوري الذي حصل منذ فترة إلا غطاء للاتفاق الفرنسي-الإيراني، والذي أعطي الحكومة اللبنانية الضوء الأخضر للقيام بهذه الزيارة.

لذا، كلّ ما حصل سابقاً من استجرار البواخر الإيرانية وتلاها الغاز المصري والنفط العراقي، وبعدها تشكيل الحكومة اللبنانية برئاسة نجيب ميقاتي، ووعود بمساعدات والخطوة نحو تفاوض لبنان مع صندوق النقد الدولي، يؤكّد أنّ هناك تغييراً في المنطقة يتمثّل بتسوية مع النظام الإيراني من قبل الإدارة الأمريكية والفرنسية، وقد بدا ذلك جليّاً في انسحاب الولايات المتّحدة من أفغانستان وتهليل إيران لحركة طالبان، والتمهيد للانسحاب من سوريا وتواجد إيراني بنسبة 90% من أراضيها، تكلّلت باستجرار النفط من إيران بدلاً من الضغط على حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، لفتح الاعتمادات للبواخر المستوردة من الشركات الأجنبية ومنافسة السوق الإيراني.

باختصار، المنطقة اليوم، وحتى إشعار آخر، أصبحت بقبضة إيران بمباركة أمريكية.



جنى بركات – عربي بوست