عقل العويط - النهار

تنكة مازوت كان في مقدورها أنْ تُحدِث أعجوبةً وطنيّة في قصر الأونيسكو – عقل العويط – النهار

ما دامت الحكومة نسخةً مصغّرةً طبق الأصل – تقريبًا – عن مجلس النوّاب، فلماذا الحكومة؟ ولماذا تبذير أكثر من سنة في محاولة تأليفها؟ ولماذا يُدبَّج بيانٌ وزاريٌّ – باسم هذه الحكومة – ليُتلى أمام مجلس الشعب الكريم، بهدف مناقشة سياستها وخطّتها، قبل محضها الثقة، التي ستُمحَض إيّاها، لا محالة، وغصبًا عمّن لا يريد، على رغم حفلة الاستعراض الخطابيّ التي لا بدّ منها، من أجل اكتمال عناصر المشهد المثير للتقيّؤ.

أكثر ما أثار شفقتي – وبدّد بعضًا من غضبي ونقمتي – صبيحة يوم أمس، الخبر الذي تداوله الناس عن انقطاع التيّار الكهربائيّ في قصر الأونيسكو، مقرّ انعقاد الجلسة التاريخيّة، الأمر الذي أخّر هذا الاستحقاق الديموقراطيّ الجليل. شغِّلوا الموتور، يا شباب، لضرورات العمل الوطنيّ الخطير، ولضرورات الديموقراطيّة؟ أين هو المازوت، يا سادة يا كرام؟ أيُعقل أنْ تتأخّر جلسةٌ كهذه، لأنّ كهرباء “الدولة” مقطوعة، ولأنّ الموتور غير شغّال؟ أهكذا تُعامَل السلطة التشريعيّة، وهي سلطة محاسبة ورقابة، والوقتُ هو وقتها؟ مَن يدري، فقد تكون الحكومة ارتكبت نقيصةً ما في بيانها، أو قد تكون مرّرتْ شيئًا ما فيه، من شأنه أنْ يسدّد طعنةً نجلاء إلى برلمانٍ شغله الشاغل، برئيسه والأعضاء، وبأحزابه وتيّاراته، السهر ليلَ نهار – 24 ع 24 – على منع أيّ إخلالٍ بالدستور، وأيّ تمريغٍ للجمهوريّة؟!




لا يجوز، والله، أنْ تكون السلطتان معًا – التشريعيّة والتنفيذيّة – موضعَ تندّر المتندّرين، وسخرية الساخرين، وشماتة الشامتين، وهم يشاهدون العرق المتصبّب شلّالاتٍ وأنهارًا ومزاريب من أصحاب الدولة والعطوفة والمعالي، السادة النوّاب والوزراء، ومن السيّدين الرئيسين، في هذه المناسبة المهيبة، وفي هذا اليوم الديموقراطيّ الجليل!

الحمد لله (هل يجب أنْ يُشكر على عودة التيّار الكهربائيّ؟!) أنّ الجلسة عادت لتنعقد، وقد شُنِّفت الآذان المنصتة، واستتبّ روع العقول المضطربة، واطمأنّت القلوب الواجفة، لمجرّد قراءة البيان الوزاريّ، بلسان سيّد الوعود والمشاريع والخطط.

إنّي أكتب هذا المقال، وكلّي ثقةٌ بأنّ الجلسة الميمونة ستمرّ على خيرٍ عميم، وبأنّ “سيّد نفسه” (مجلس الشعب ما غيرو، أقصد مجلس النوّاب، حارس الديموقراطيّة) لن يبخل على – جاريته – الحكومة بثقةٍ عالية، مهما كثرت الخطب والمداخلات والمهاترات والمزايدات.

لن أنتظر انتهاء كلّ هذا الفولكلور – الترسو – لأعرف ما سيؤول إليه أمر هذه الجلسلة، ومترتّباتها ومفاعيلها. فالثقة، كلّ الثقة، بأنّ الكابوس الوطنيّ سينتهي لا محالة، مثلما انتهت إليه جلسة هذا البيان الوزاريّ والثقة الناجمة عنه. في مقدور ال#لبنانيّين أنْ يطمئنّوا إلى يومهم وإلى غدهم. بتنكة مازوت – لا أكثر – يمكن العهد أنْ يواصل مشواره التاريخيّ العظيم في رعاية “اتّفاق مار مخايل” المشؤوم، وتحت يد الوليّ الفقيه، واعدًا الناس بأنّ السنة الأخيرة من عمره ستكون السنة الفصل، كما يمكن مجلس النوّاب أنْ يبقى واضعًا يده – الكريمة – على الدفّة، كما يمكن الحكومة أيضًا وأيضًا أنْ تمشّي أمور المواطنين، وإنْ تعطّل موتور “الأونيسكو” وتأخّرت عودة التيّار الكهربائيّ.

تنكة مازوت – لا أكثر – كان في مقدورها – بعود كبريت – أنْ تفعل الأعاجيب في جلسة قصر الأونيسكو، وتضع حدًّا لكارثة لبنان. الحمد لله الذي، هل يُحمَد على مكروه سواه؟!