هل استعاد المسيحيون فرنسا إلى جانبهم؟

روزانا بومنصف – النهار

تشعر أوساط #لبنانية عدة بخيبة من فشل المبادرة الفرنسية وانتهائها على طريقة المساومات اللبنانية التي أعادت إنتاج حكومة محاصصة مصقلة ببعض الوجوه من التكنوقراط المحسوبين على الأفرقاء السياسيين. لعله كان المخرج الوحيد للرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون الذي تدهمه الانتخابات الرئاسية الفرنسية ومجموعة أزمات تفجرت أخيرا مع الولايات المتحدة واوستراليا وبريطانيا وسويسرا وكانت لتعيق على الارجح استمرار الاهتمام الفرنسي بلبنان كما في السابق. ولكن الحكومة التي تألفت لم تحدث لا فارقا نوعيا ولا ضمنيا بل بالعكس سلمت بالأمر الواقع على نحو صادم نظرا للامال التي رسمها التدخل الفرنسي والاشتراطات التي حددها على الحكومة المقبلة، وهي حكومة كان يمكن التوصل اليها من حيث نوعيتها عبر الضغوط الداخلية ولم تكن لتحصل على الغطاء الفرنسي والخارجي لها بل كان هذا الخارج ليحتفظ بحق الاعتراض وربما الرفض ايضا. وفي التقويم المبدئي فان التدخل الفرنسي وان كان مشكورا لاهميته ومحوريته في تقديم الدعم للبنانيين لا سيما بعد انفجار المرفأ في 4 آب من العام الماضي، فان التدخل السياسي لا يمكن اعتباره باهمية او بقيمة التدخل الانساني على مختلف مستوياته. ولا نقاش في ان لبنان كان في حاجة ماسة إلى حكومة من اجل وقف النزف، لكن لعله كان يجب انتظار اهل الحكم لكي يقرروا المدى الذي كانوا سيبلغونه من دون الوساطة الفرنسية في استباحة البلد وتوظيف انهياره لمصلحتهم فيما ركنوا إلى هذه الوساطة من اجل الحصول على ما يريدونه نظرا إلى الحاجة الماسة لحكومة توقف الانهيار بالنسبة إلى الخارج والحاجة الماسة لماكرون لاقفال ملف #الحكومة اللبنانية في ظل التحديات الموجودة أمامه. وسبق لأوساط سياسية متعددة ان عتبت على #فرنسا على رغم الكلام القاسي الذي اسمعه مسؤولوها للمسؤولين اللبنانيين من انها افتقدت إلى العصا التي تساعدها على فرض تنفيذ مبادرتها كما عتبت عليها لتهاونها السريع او المتسرع إزاء ومع ” حزب الله” بحيث وان كان الانفتاح الفرنسي على ايران افرج عن الحكومة في نهاية الامر، فانما وفق مقتضيات لا تبدو مريحة بالنسبة إلى اللبنانيين بل على العكس من ذلك في ظل بقاء اليد العليا لايران او لحلفائها في لبنان في موضوع الحكومة او ترك انطباعات قوية بذلك. وتقتضي الموضوعية بالاقرار بان فرنسا تخبطت وحدها وادارت الامور من دون شركاء عرب واكبوا مبادرتها لعدم اقتناع بصوابية المقاربة وفق الدلالات التي عبرت عنها الطاولة المستديرة التي عقدها الرئيس الفرنسي في قصر الصنوبر وللحلول المرحلية القاصرة عن مقاربة عميقة وجدية للازمة في لبنان كما ايضا لرفض الدول الخليجية في شكل قاطع ايلاء اي اهتمام سياسي بلبنان في الوضع الراهن. والقراءة الموضوعية لمحايدة للمبادرة الفرنسية قد تفضي في نهاية الامر إلى عدم الرهان على قدرة فرنسا أو الثقة بهذه القدرة على لعب دور متوازن بين الافرقاء السياسيين في لبنان او المساعدة في الوصول إلى حلول سياسية وليس إلى حلول مرحلية للازمة لا سيما وان ” تطلعات الشعب” التي طالبت بها المسؤولين قد ذهبت ضحية اطماعهم بعدم التنازل امام انتفاضة اللبنانيين. وهذا يعد تراجعا كبيرا لفرنسا وهو ليس التراجع الوحيد. والتقويم الموضوعي يخلص إلى ان اي بلد مهما كانت صداقته او رعايته واهتمامه لا يمكن ان يقوم مكان اللبنانيين أنفسهم وهؤلاء فشلوا في المناسبة فشلا ذريعا ليس في اطاحة الطبقة السياسية او غالبيتها بل فشلوا ايضا وبعد الضربات التي تلاحقت ضدهم في اجبار اهل الحكم على اجراء اي مراجعة لأدائهم السابق بل انهم استمروا فيه بقوة وبصلفهم وغرورهم وادعائهم بانقاذ البلد فيما هم نحروه ودمروا مؤسساته وأبنائه.




والكلام على خيبة من فرنسا يثير تساؤلات في اتجاهين: أحدهما يتصل بما إذا كان المسيحيون في لبنان استعادوا رعاية فرنسا لهم علما ان ماكرون ابتعد عن اسباغ اي طابع طائفي على مقاربته ولم يزر بكركي في اثناء زيارتيه للبنان. ففي زمن ما بعد اتفاق الطائف كان يشعر المسيحيون في زمن وجود العماد عون في فرنسا والدكتور سمير جعجع في السجن ان فرنسا اصبحت صديقة للطائفة السنية وأكثر تفهما لوجهة النظر حول لبنان قياسا إلى التقارب الذي كان قائما بين الرئيس الراحل جاك شيراك والرئيس الشهيد رفيق الحريري وتاليا كان الامر مثار احباط لهم. ولكن مقاربة فرنسا راهنا تمت قراءتها على خلفية مدى تأثرها بالذرائع التي يقدمها عون حول استعادة حقوق المسيحيين ونظرية المحافظة على الأقليات. اما الاتجاه الاخر فمبني على تأثر فرنسا بالعلاقات التي تنسجها مع إيران وسعادتها بالحوار الذي تقيمه مع ” حزب الله” علما انه لم يظهر ان الحزب باعها فعلا أي تنازل. ولعل فرنسا لا ترى الامور بهذا المنظار وليست هذه المقاربة مطروحة أمامها ولكن في ما آلت اليه الأزمة الحكومية الاخيرة الكثير من هذه الاستنتاجات السياسية على رغم ترويجها لرئاسة الرئيس نجيب ميقاتي على نحو مسبق لاعتذار الرئيس سعد الحريري وبذريعة رفض التعاون معه من عون لعدم الانفتاح من الاخير على صهره جبران باسيل والتعاون معه بدلا من قصر الحريري التعاون مع رئيس الجمهورية فحسب في تأليف الحكومة. سعد الحريري الذي صمد لاشهر طويلة وقع في محظور اعتباره ان الصمود ينجح لان قضيته محقة ومعه المجتمع الدولي في حكومة وفق المبادرة الفرنسية. لكن تتغير الخارطة كما حصل مع حكومة الرئيس فؤاد السنيورة في 2006 حين غادر الرئيس شيراك وجاء الرئيس نيكولا ساركوزي وعلاقته ببشار الاسد من خلال الجزائر والمخابرات وقصص داخلية اخرى كما مغادرة الرئيس جورج بوش موقعه مما ساهم في تقوية الوجود الايراني في العراق الذي أضعف قدرة الولايات المتحدة على مساعدة لبنان. وهو ما ادى إلى اتفاق الدوحة الذي شكل أكثر من 70 في المئة من الازمة التي عاشها لبنان خلال العامين الماضيين ولا يزال. المشكلة ان التآكل التدريجي للوضع يهزم بعض الافرقاء فيما يستفيد منه اخرون لا يعيشون على الانجازات بل على الشعارات فحسب فيما ان الشعي مستسلم للاسف وبات من دون نبض.