أين تيار “المستقبل” في هذه المرحلة؟

اسكندر خشاشو – النهار

تسير حكومة الرئيس نجيب #ميقاتي بخطى ثابتة إلى مجلس النواب، بعد أن أنجزت في وقت قياسي بيانها الوزاري، وأسندته إلى تسوية سياسية داخلية واسعة، مترافقة مع حراك أوروبي أو فرنسي – إيراني، يؤمّن لها غطاءً مقبولاً، يتمتّع بالصلابة الضروريّة بالرغم من غياب البُعد العربيّ.




وفي قياس الأرباح والخسائر، لا بدّ من الاعتراف بربح تحقّق لثلاثة أطراف لا يُمكن القفز فوقه. الأول لرئيس الجمهورية، وخلفه رئيس “التيار الوطني الحر” الذي حقق جزءاً كبيراً من مطالبه، وثبت ما يطالب به من دخوله شريكاً في التأليف، وقدرته على تعطيل أي حكومة غير راض عنها. نال ما يطلبه على مستوى الثلث المعطّل، وإن كان مستتراً أو مشاركاً فيه مع أطراف عدّة؛ أبقى على معادلة: إمّا الحريري وجبران في الداخل، وإما كلاهما في الخارج؛ وحصّن نفسه انتخابياً عبر وزارات خدميّة عدّة، يعلم كيف يصرف خدماتها. أمّا الرابح الثاني فـ”#حزب الله” الذي فرض نفسه رقماً أساسياً دولياً، وعنصراً رئيسيّاً في تشكيل أي حكومة برضى أميركيّ، من اليوم وحتى إشعار آخر، في وقتٍ يملك – حسابيّاً ـ أكثر من ثلثي الحكومة عبر تحالفاته المتشعّبة من عون إلى فرنجية إلى الرئيس نبيه بري وانتهاءً بالقومي السوري. أمّا ميقاتي فقد ثبت نفسه أيضاً مرشّحاً لرئاسة الحكومة، وسجّل نقطة على الحريري؛ فهو نجح في مكان فشل الأخير، واستطاع تأمين ائتلاف حكوميّ واسع داعم، مؤلّف من أمل وحزب الله و#تيار المستقبل والعونيين. بالإضافة إلى ذلك، أمّن نجاح ميقاتي مظلّة سياسية للعهد الذي جعله الحريري أبرز خصومه.

واستكمالاً للمقياس بميزان الربح والخسارة، ترفض أوساط الحريري مقولة خصومه عن خسارته، وتعتبر أنّه لم يخسر، وفي الوقت نفسه لم يربح، مؤكّدة أنّ ما تأمّن من تسهيلات لميقاتي لم يُؤمّن للحريري، بالتزامن مع عامل دوليّ ضاغط، إذ أصبح الخارج يقبل بحكومة بما تيسّر أو بأيّ حكومة.

وعشية إعطاء الثقة للحكومة، لا يبدو الحريري بوارد التراجع عن دعمه لميقاتي؛ و”كتلة المستقبل” ستكون في مجلس النواب، وستُعطي الثقة للحكومة، وستتكلّم باسمها النائبة رولا الطبش لتكون الكلمة بمثابة إعلان منهجيّة “المستقبل” في التعاطي مع الحكومة ورأيه بما تضمّنه البيان.

وبحسب الأوساط، يعرف الجميع – ولو حاول البعض اللئيم إخفاء الشمس بكفّه – أنه لولا حرص الحريري على تعبيد الطريق أمام الرئيس نجيب ميقاتي بغطاء “نادي رؤساء الحكومات السابقين”، لَما كان لهذه الحكومة أن ترى النور، ولَما كان ممكناً وضع حدّ لمقامرة “فخامة الجنرال” بمصير الوطن سعياً لتحقيق مصالحه في السلطة بالفراغ وشلّ كلّ المؤسسات، ليبقى حاكماً وحيداً بأمره، بفتوى جريصاتيّة مشؤومة.

هناك إصرار من “التيار” على أنّه غير ممثل في الحكومة، لا مباشرة ولا مواربة، وميقاتي هو من اختار الأسماء؛ وورود بعض الأسماء التي انتقاها الحريري في حكومة ميقاتي يُشير إلى أن الحريري انتقى أسماء اختصاصيّين غير حزبيّين، ليكون دليلاً إضافيّاً على الروحيّة التي كان يعمل بها الحريري.

وتغمز المصادر بطريقة غير مباشرة من تشكيلة الحكومة الحالية بالقول “شتان ما بين لائحة الرئيس الحريري والوزراء الحاليين”. وقد يكون الاسمان اللذان نالا ثقة الناس مباشرة هما الاسمان اللذان طرحهما الحريري ثم عاد وتبنّاهما ميقاتي.

الحريري عائد إلى لبنان بالتأكيد، وقريباً جداً، ومضحك الكلام عن نهاية الحريرية السياسية، لا بل سيكون أمامه عمل كبير في البيت الداخليّ المستقبليّ؛ وبالطبع ورشة الانتخابات النيابية انطلقت على الجبهات كافة. وفي النهاية، النّاس تقرّر إذا كانت الحريرية انتهت أم لا!

أضحى من المحسوم أن الانتخابات ستجري وفق القانون الحالي الذي ما يزال ساري المفعول، بالرغم من اعتراضاتنا الجديّة. وقد قمنا بخطوات جديدة في هذا الإطار، وحاولنا تسويق مشروع كتلة “المستقل” المبني على 8 دوائر وفق معيار النسبيّة، إلّا أن الواقعية تقول إن القانون الحالي هو ما ستجري وفاقاً له الانتخابات – تقول الأوساط -، وتضيف أنّه “في هذه الحالة، نحن تعلّمنا من أخطائنا، وأصبحت لدينا النّظرة الشاملة على أيّ أساس، وكيف تدار هذه الانتخابات”.

وبالرّغم من أن الوقت لا يزال مبكراً للحديث عن تحالفات انتخابية فإن من المحسوم منذ الآن أنه لن يكون هناك تحالف مع “التيار الوطني الحر” و “حزب الله” في أيّ مكان.

وتورد الأوساط ما يقوله الحريري في إطلالاته التلفزيونية من أن الناس حليفته، وترجّح احتمال أن “نعتمد هذا الأسلوب في الانتخابات المقبلة خصوصاً في المناطق التي نملك فيها حواصل انتخابية صافية، وليس بالضرورة أن يكون لدينا حليف حزبيّ يستفيد ويربح نواباً ولا يعترف بأيّ فضل”.
هل يُقصد بهذا الكلام الرئيس ميقاتي أيضاً؟
تجيب الأوساط بأن الرئيس ميقاتي – حتى الساعة – حليفُنا.

وتعتبر الأوساط أن هناك “معطى جديداً طرأ على الصورة الانتخابية يتمثّل بالأكثرية الصامتة التي ظهرت في 17 تشرين، وعلينا التعاطي معها ومحاولة إيجاد روابط مع هذه المجموعات”.

وتختم بالإشارة إلى أن جزءاً من الانتخابات يُبنى على المصالح المشتركة، وهذا سيُنظر إليه بعين الاعتبار بالنسبة إلى بعض القوى السياسية.

وفي المحصّلة، ومهما حاولت الأوساط المستقبليّة إعطاء صورة زهريّة، واعتماد السياسة الناعمة، هم يعرفون أن نبض شارعهم في مكان مختلف، وربّما أصدق تعبير لشارع المستقبل الحقيقي هو ما أعلنه الرئيس فؤاد السنيورة بأن الدولة مخطوفة، ولا تزال مخطوفة حتى بعد تشكيل الحكومة، وأن الفريق الذي عطّل الحكومات السابقة وشلّ قدرتها على تحقيق ما تعهّدت به في بياناتها الوزارية وصولاً إلى اختطاف مشروع بناء الدولة مستفيداً من مراعاة “حزب الله” له، لا يزال موجوداً، ولم يتغيّر، ولن يسهّل مهمّة ميقاتي.