قرار الحكومة السياسي لعون و”حزب الله”… هل بدأت الضغوط على ميقاتي؟

ابراهيم حيدر – النهار

لن يمضي وقت طويل بعد نيل الحكومة الثقة كي تظهر المنازعات بين القوى السياسية والطائفية التي رعت تشكيلها في تسوية ملتبسة لن تعمر طويلاً بسبب قصر مدة الحكومة أولاً والخلافات العميقة بين قواها حول التوجهات السياسية والاقتصادية وبفعل موازين القوى المختلة لمصلحة التحالف الأقوى الممانع بين رئيس الجمهورية ميشال عون و”#حزب الله”. والواقع أن تركيب الحكومة نفسه قد يشهد معارك بين مكوناته حول عدد من الملفات باعتبار أن لكل طرف أولويات ومصالح وحسابات يريد أن يكرّسها. فالتسوية التي شكلت الحكومة جاءت بعد ضغوط فرنسية – إيرانية وغض طرف أميركي أو بموافقة غير معلنة، وأيضاً بموافقة داخلية أجبرت القوى السياسية والطائفية المتنازعة على السير بها، لن تعمر طويلاً وفق سياسي لبناني متابع، إذ أن القوى ستسعى إلى إعادة تعويم دورها، باستمرار التركيبة ذاتها وادراة البلد بالطريقة نفسها، باستثناء وحيد أن هناك طرفاً لديه فائض قوة هو “حزب الله” ووجد أن تشكيل الحكومة في اللحظة الراهنة في لبنان أفضل من استمرار الفراغ القائم ويخفف عنه وطأة ادارة الدولة مباشرة طالما أنه يحتفظ ببناه المستقلة ولديه القدرة على التصرف من خارج الدولة على ما ظهر في استجلابه للنفط الإيراني.




ملف ادخال “حزب الله” #المحروقات الإيرانية الاول الذي يشير إلى ظهور التناقضات في التوجهات بين القوى المكوّنة للحكومة، وهو وضع رئيس الحكومة نجيب #ميقاتي مباشرة في عين العاصفة، فكلامه الاخير الذي قال فيه أن دخول الصهاريج المحملة بالمازوت الإيراني من معابر عير شرعية خرق للسيادة يفتح مشكلة مع “حزب الله” على الرغم من استطراده أن لا علاقة للحكومة بذلك ولا يستدعي الامر فرض عقوبات عليها. لكن ميقاتي حاول استدراك هذا الموقف في الشق المتعلق بإقدام إسرائيل على تكليف شركة للتنقيب عن الغاز والنفط في منطقة بحرية متنازع عليها مع لبنان حيث سارع إلى الطلب من وزارة الخارجية اللبنانية الحصول على إيضاحات من المجتمع الدولي قائلاً أن “لا تهاون في هذا الموضوع ولا تنازل عن الحقوق اللبنانية، وعلى الأمم المتحدة القيام بدورها في ردع إسرائيل وإجبارها على وقف انتهاكاتها المتكررة للحقوق اللبنانية وسيادة لبنان”.

يفسر السياسي اللبناني موقف ميقاتي أنه محاولة للموازنة في مواقفه كرئيس للحكومة من ملفات خلافية قد تظهر في مرحلة لاحقة وتفجر الحكومة، وهو يعلم أن تشكيل حكومته لم يكن نتاج موافقة أميركية مباشرة، بل أن التسوية التي نشأت برعاية فرنسية – إيرانية، جاءت بعد تطورات بدأت باتفاق الغاز مع مصر واستجرار الكهرباء من الأردن عبر سوريا، إلى بدء تطبيع العلاقات مع النظام السوري، فيما سهّل الاميركيون الأمر بإعفاءات من قانون قيصر، وهذا ما أدى إلى إدخال المحروقات الإيرانية إلى لبنان.

المفاجأة كانت ملف التنقيب الإسرائيلي الذي رمي بوجه لبنان مباشرة. والواقع أن هذا الملف غاب كلياً عن اهتمامات الحكومة وعن كل أطراف المنظومة السياسية والطائفية، بما فيها “حزب الله” منذ أن توقفت المفاوضات التقنية غير المباشرة برعاية أميركية في 5 أيار الماضي، وذلك لحسابات سياسية داخلية وايضاً إقليمية ودولية، علماً أن الخلاف اللبناني الداخلي وصل إلى ذروته حول إدارة المفاوضات وحول حق لبنان في الـ860 كيلومتراً مربعاً أو الـ2290 كيلومتراً، فجرى تأجيل المفاوضات والبت بالموضوع بقرار دولي وأميركي على وجه الخصوص، إلى أن حصل لبنان على تعهد بإيصال الغاز المصري وهو ما يعني ارجاء ترسيم الحدود البحرية وانجازها إلى أجل غير مسمى.

في تناقضات التسوية أيضاً أن الحكومة شُكلت على الفصل بينها وبين “حزب الله” لكنه فصل يكرّس الهيمنة للحزب ويجدد أيضاً تعاضدها معه في مختلف المجالات، باعتبار أن رعاية ولادة الحكومة كانت على المستوى الخارجي إيرانية – فرنسية، وبدفع من قوة الحزب الداخلية وامتداداتها الإقليمية. فالحكومة وكذلك الدولة لن تتعارضا مع سياسة الحزب في ضوء ما حدث من تطورات، أبرزها مسار العلاقات مع النظام السوري والاتفاق على استجرار الغاز المصري والكهرباء الأردنية عبر الأراضي السورية بموافقة أميركية، ثم دخول صهاريج المحروقات إلى لبنان. أما إذا حدث تعارض، على ما ظهر في موقف ميقاتي من ملف المحروقات الإيرانية، فسيفتح هذا الامر على معركة لن تسلم منها تركيبة الحكومة نفسها.
الانظار ستتوجه إلى كيفية تصرف الرئيس ميشال عون في ما يتعلق بالملفات المطروحة كلها. فالكلام الذي أطلقه عون عن السنة الأخيرة في عهده حول مكافحة الفساد، يحمل أكثر من معنى، وقد ترجمه رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل خلال زيارته لرئيس الحكومة نجيب ميقاتي، والذي أوحى أن تسهيله للتكليف أدى إلى ولادتها، ثم هجومه على رئيس مجلس النواب نبيه بري والرئيس سعد الحريري متهماً إياهما بتعطيل عهد عون. وهذا الكلام لا يمكن فصله عن موقف عون الذي يعتبر نفسه منتصراً بعد تشكيل الحكومة برئاسة ميقاتي خصوصاً أيضاً بعد اتفاق “الغاز المصري” ثم العلاقة مع النظام السوري في رعاية “حزب الله”.
يشير السياسي اللبناني إلى أن ميقاتي ليس الحلقة الأقوى في الحكومة، بل الأضعف نسبة لموازين القوى داخلها وأيضاً في ما يتعلق بالثلث المعطل لعون والممسوك من “حزب الله”، لذا سيسعى عون إلى إثارة ملفات كثيرة في وجه ميقاتي متسلحاً بقدرته على التعطيل وبينها “التدقيق الجنائي” وحاكمية المركزي وحتى المجالس المحسوبة على الرئيس نبيه بري وسيسعى إلى فتح ملفات الحريري أيضاً. أما الضغوط على ميقاتي فستكون كبيرة لتطويعه أيضاً وربما إثارة ملفات متعلقة به، والهدف تعزيز وضع عون وتياره للمرحلة المقبلة بما فيها استحقاق الانتخابات النيابية.

لكن لبنان الذي دخل مرحلة جديدة مع حكومة نجيب ميقاتي، سيبقى تحت هيمنة يقودها “حزب الله” الطرف المقرر، وهو بفعل كل التطورات الاقليمية والدولية والداخلية عزّز موقعه سياسياً في لبنان وأيضاً طائفياً وباتت له قدرة أكثر على التحكم في مسارات البلد، انطلاقاً من أنه سهل تشكيل الحكومة وفرض ما يريد وفرض على حليفه ميشال عون تسهيل التأليف. ومن هنا قد تنال الحكومة الثقة الى أن يحين وقت اعادة هيكلة النظام وربما تغيير الدستور أو الانفجار في الكيان.