حزب الله يقدم نفسه كمنقذ للبنان بتوزيع البنزين الإيراني بمنأى عن الدولة

قبل أقل من شهر، أعلن أمين علم حزب الله حسن نصرالله أن ناقلة نفط إيرانية في طريقها لمساعدة لبنان المتعطش للوقود، متحدّيا الولايات المتحدة وإسرائيل على إيقافها. ودخلت الخميس 20 شاحنة تحمل 50 ألف لتر من الوقود الإيراني شمال شرقي لبنان عبر سوريا. وتوجهت إلى منطقة بعلبك التي يسيطر عليها حزب الله، حيث قيل إنها مخزنة في محطات وقود تديرها شركة الأمانة للمحروقات المرتبطة بحزب الله والتي تخضع لعقوبات أميركية على أن يُنقل بعد ذلك بشاحنات أصغر إلى مضخات الأمانة في الأحياء الشيعية في جميع أنحاء البلاد، بما في ذلك الضاحية الجنوبية لبيروت.

ولعب حزب الله دور المتمرد المعتاد، متحديا بشكل صارخ العقوبات الأميركية على النفط الإيراني. لكن ما هو واضح أن نصرالله يحاول لعب دور جديد، أي دور المنقذ لبلد يعاني أزمة اقتصادية عميقة.




ولا يزال حزب الله لاعبا مثيرا للجدل في نظام سياسي تشلّه الطائفية. لكن يبدو أنه وجد فرصته في الأزمة الحالية للمزيد من الاستقطاب والاعتراف بدوره كأمر واقع. وفي الوقت الذي يؤدي فيه انقطاع التيار الكهربائي إلى إغلاق الأعمال التجارية وتهديد حياة المرضى في المستشفيات، يبدو معظم اللبنانيين على استعداد لإظهار قدر من الولاء لمن يمكنه تقديم الأمل لهم، وبالطبع لحزب الله الذي يحل محل الدولة العاجزة.

وهتف أحد مؤيدي حزب الله “أهلا وسهلا” وهو يصوّر قافلة شاحنات تمر في شوارع محاطة بملصقات نصرالله والرئيس السوري بشار الأسد والجنرال السابق في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني. ولوّح رجال ونساء بأعلام حزب الله، حتى أن بعض مقاتلي الحزب أطلق قذائف صاروخية ومدافع رشاشة للاحتفال بوصول الوقود الإيراني، بينما اختار آخرون رش الأرز وبتلات الزهور على الشاحنات.

وفي إحدى المحطات، هتفت مجموعة من النساء قائلات إنهن لن يستسلمن حتى الموت. وفي ممر آخر سارت شاحنات على مطبوعات عليها صور لأعلام أميركية وإسرائيلية، في حركة تقليدية للإيحاء بالـ”نصر” و”المقاومة” وغيرهما من شعارات الحزب.

اتهام واشنطن

يخبر حزب الله اللبنانيين أن ندرة الوقود نتجت عن العقوبات الأميركية على إيران، وليس عدم كفاءة النظام السياسي الطائفي في لبنان الذي يدعمه ويشكل جزءا منه.
وقال نصرالله إن التبرع بالوقود سيتم للمستشفيات الحكومية ودور الأيتام ومحطات المياه والصليب الأحمر اللبناني مجانا بينما سيُباع للمستشفيات الخاصة ومصانع الأدوية والمخابز بسعر أرخص من سعر السوق. ووعد بعدم التمييز على أساس الدين أو الطائفة، وبتزويد البلاد كلها. ولم يتضح بعد بالضبط أي المؤسسات ستستفيد، لكن وفقا للمصادر وضع حزب الله بالفعل قائمة بالمستفيدين الذين سيتصلون بمضخات وقود الأمانة مباشرة لتنظيم المشتريات.

وترى قاعدة الدعم التقليدية لحزب الله في المجتمع الشيعي أن نصيرها كريم وعادلٍ. ولكن حتى أولئك الذين ينتمون إلى الطوائف أو الأيديولوجيات الأخرى، والذين غالبا ما يكونون أكثر تحفظا على مزاعم حزب الله، لا يبدو أنهم يمانعون إزاء الوقود الإيراني.

وتحدث نبيل، وهو مدرب في صالة ألعاب رياضية في شارع الجميزة الذي يهيمن عليه المسيحيون في بيروت، إلى فورين بوليسي بشرط عدم الكشف عن هويته كاملة، حيث قال “نحن في حاجة إلى الوقود للبقاء على قيد الحياة. إذا سأل حزب الله، ‘هل تريد وقودا إيرانيا؟’ سأقول ‘نعم’. فكما ترى، لقد جعلونا، وأعني بذلك جميع الأحزاب السياسية وليس حزب الله فقط، نشعر بالعطش واليأس الشديد، حتى أننا لم نعد نهتم بالسياسة، وتغيير البلد إلى الأفضل. نحن نكافح من أجل البقاء. سنأخذ الوقود الإيراني، لكننا نعلم أيضا أن هذا يعني أن لبنان الآن ينتمي إلى حزب الله وإيران. إنه عصرهما”.

وكانت لوري هاتيان، خبيرة الطاقة اللبنانية، من بين أول من رأوا ثغرات في مزاعم حزب الله بأنه سيوزع النفط دون تمييز. وقالت إن “ناقلة واحدة تحمل ما يكفي من الوقود لتلبية احتياجات لبنان لمدة يومين. أي أن عددا قليلا من هذه الناقلات يبقى بعيدا كل البعد عن مدى حاجتنا إليه. وهذا حتى لو قرر حزب الله توزيعه بالتساوي ونعلم أنه لن يفعل ذلك. هذا فقط لقاعدة دعمه”.

وأضافت أن شراء حزب الله وليس الدولة اللبنانية للوقود الإيراني يضر بسيادة البلاد، “فقد جلب حزب الله الوقود من إيران من تلقاء نفسه، بغض النظر عما تعتقده الدولة. ثم عبر سوريا إلى داخل لبنان، وليس عن طريق عبور الحدود القانونية ولكن بفتح الحدود التي يسيطر عليها. يشير كل هذا إلى أننا نتجه نحو سياسة خارجية موالية لإيران بنسبة 100 في المئة وأننا انفتحنا على سوريا وطبّعنا العلاقات مع الأسد. إذا كان هذا هو موقف الحكومة اللبنانية، فلم يتم إخبارنا. من الواضح أن حزب الله يملي سياسة لبنان الخارجية”.

وتابعت أن “دخول حزب الله إلى البرلمان أضعف المؤسسات ولم يدع قط إلى تمرير إصلاحات تقوّي الدولة. وتحدى الآن العقوبات الأميركية وجلب الوقود الإيراني بمفرد في وضح النهار. لا توجد مساحة لسياسة مستقلة. تولى حزب الله زمام الأمور اليوم”.

رهان خاسر

كان منتقدو إيران وحزب الله يأملون في أن تتمكن الولايات المتحدة وإسرائيل من إيقاف الناقلة الإيرانية قبل أن ترسو في الميناء السوري. لكن ربما كان يُنظر إلى ذلك على أنه مخاطرة كبيرة.

وقال فرزين نديمي، وهو محلل متخصص في الشؤون الأمنية والدفاعية المتعلقة بإيران ومنطقة الخليج ومقره في واشنطن، إنه من المحتمل أن الولايات المتحدة لم توقف الناقلة لأنها كانت ترغب في تجنب المواجهة مع حزب الله، ولكن لغياب أساس قانوني قوي للقيام بذلك.

وأضاف “أعتقد أن سياسة الولايات المتحدة بشأن هذا الموضوع في الوقت الحالي هي تجنب التوترات غير الضرورية، بالنظر إلى الوضع المحفوف بالمخاطر الذي يعيشه الشعب اللبناني الآن، وبما أن حزب الله يؤطر الشحنات الأخيرة على أنها مساعدة للشعب اللبناني، تبقى الولايات المتحدة حذرة”.

وأشار إلى أن هذا الحادث سيشكل على الأرجح سابقة وسيشجع حزب الله على جلب الوقود الإيراني مباشرة إلى لبنان في المرة القادمة. ووصف ذلك بأنه “استعراض للقوة من حزب الله” وضربة لإسرائيل أولا ثم للولايات المتحدة.

ومرّ استعراض القوة هذا حتى الآن دون مواجهة من إسرائيل والولايات المتحدة. وكان من الممكن أن يكون تدخل إسرائيل أكثر إثارة للجدل لأنها كانت في حالة حرب مع لبنان، مما يجعل أيّ عمل تقوم به قادرا على توحيد اللبنانيين ضدها وخلف حزب الله. لكن تفسير تقاعس الولايات المتحدة صعب.

وقال رئيس الحكومة اللبنانية نجيب ميقاتي إن شحنات الوقود الإيرانية التي أدخلتها جماعة حزب الله إلى البلاد “انتهاك لسيادة لبنان”، وذلك وفق تصريحات نشرها مكتبه على تويتر.

ونقل المكتب عن رئيس الحكومة قوله في مقابلة مع محطة “سي. إن. إن” التلفزيونية “أنا حزين على انتهاك سيادة لبنان”.

لكنه أضاف “ليس لديّ خوف من عقوبات عليه، لأن العملية تمت في معزل عن الحكومة اللبنانية”.

وقال الجنرال السابق في الجيش اللبناني إلياس فرحات إنه من غير المرجح أن تفرض الولايات المتحدة عقوبات على لبنان.

وحذر المحلل السياسي اللبناني سامي نادر من أن لبنان قد يصبح ضحية لمفاوضات إحياء الاتفاق النووي الأميركي – الإيراني.

وقال “من وجهة نظري، هناك ضوء برتقالي إن لم يكن ضوءا أخضر، وهو يتماشى مع الافتتاح الخجول على طاولة المفاوضات في فيينا… ربما هو تنازل متبادل. دعنا نقول إن كلا الطرفين قدّم بإيماءة صغيرة متبادلة، إيران من خلال السماح لفريق الوكالة الدولية للطاقة الذرية بالتفتيش والولايات المتحدة بترك هذا الوقود يمرّ إلى لبنان”.
وكان نادر يشير إلى اتفاق تم التوصل إليه بين الوكالة الدولية للطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة وإيران في الثاني عشر من سبتمبر، والذي بموجبه ستكون الوكالة قادرة على الوصول إلى كاميرات المراقبة داخل المنشآت النووية الإيرانية.

وتمثّل الرد الأميركي على شراء حزب الله للوقود الإيراني في الإعلان عن تسهيل وصول الغاز والكهرباء من مصر والأردن عبر سوريا إلى لبنان. لكن حزب الله كان أسرع وسرق الأضواء. ولا يزال الكثيرون في البلاد متشككين في أهداف الحزب النهائية، لكن القليل منهم سيرفض الوقود الذي يوفره.