التوتر الشديد يلف السويداء جنوباً… والنظام السوري يسعى لاستعادة السيطرة عليها متذرعاً بـ«الفلتان الأمني»

تسود حالة من التوتر الشديد في محافظة السويداء جنوب سوريا، ناجمة عن صدام الفصائل المحلية مع مجموعات مسلحة محلية أيضاً، لكنها تتلقى دعماً من الاستخبارات العسكرية التابعة للنظام السوري، وتتهم بعمليات الاغتيالات والتفجيرات ودعم عصابات الخطف والترويج للمخدرات في المحافظة.

وعلى ضوء ما تقدم، ومنعاً من انزلاق المحافظة إلى مزيد من التوتر الذي يخلق مناخاً مناسباً لزيادة تدخل الأجهزة الأمنية في السويداء، أمسكت حركة «رجال الكرامة» – التي أسسها أحد وجهاء وشيوخ السويداء سابقًا وحيد البلعوس – الزمام الأمنية والعسكرية في المحافظة، حيث شنت خلال الـ 24 ساعة الفائتة حملة مداهمات اعتقلت خلالها أعضاء «عصابات» تابعة للأمن العسكري، ونشرت مقاتليها في المنطقة، كما سيّرت دوريات متنقلة في مدينة السويداء، وأمنت طريقاً إلى دمشق، بعدما قطعت جماعات محلية مسلحة تابعة للمخابرات العسكرية طريق دمشق-السويداء. وجاء التحرك العسكري والانتشار لـ»رجال الكرامة» بعدما حاصرت الحركة فرع الأمن العسكري في المدينة، وأعلنت مجموعة من الشروط لفك الطوق العسكري، وعلى رأسها رفع الغطاء عن جميع المسلحين وأفراد العصابات المنتسبين لها داخل المحافظة، ومحاسبتهم قضائياً، وسحب بطاقاتهم الأمنية والأسلحة التي تم تزويدهم بها.




فك الطوق مؤقتاً

المتحدث باسم شبكة أخبار السويداء 24 نور رضوان، قال لـ «القدس العربي» إن حركة رجال الكرامة أخلت مؤقتاً، الطوق الأمني الذي فرضته في محيط عتيل، حيث تتحصن مجموعة محلية مسلحة تابعة لشعبة المخابرات العسكرية داخل البلدة بين المدنيين، وذلك «تسهيلاً لحركة المدنيين صباحاً» مشيراً إلى أنه تم اعتقال العديد من ميليشيا فلحوط، بينهم داني كيوان أحد المتهمين بارتكاب جرائم وانتهاكات.

وأضاف «نفذت حركة رجال الكرامة ليلة الخميس حملة مداهمات في السويداء، اعتقلت خلالها أعضاء عصابات، بالتزامن مع إعادة انتشار مقاتليها في محيط بلدة عتيل، كما سيّرت دوريات متنقلة في المدينة وأمنت طريقاً بديلاً إلى دمشق يمر عبر بلدتي قنوات وسليم، بعدما قطعت جماعات محلية مسلحة تابعة للمخابرات العسكرية طريق دمشق-السويداء في بلدة عتيل، حيث تعرضت مجموعات تابعة للحركة، لإطلاق نار، أثناء تأمينها الطريق في بلدة قنوات، وذلك من قبل ميليشيات محلية تابعة للمخابرات العسكرية يقودها شخص مُقرّب من راجي فلحوط قائد جماعة عتيل». ووفقاً للمتحدث باسم شبكة أخبار السويداء فإن الحركة ترفض «إراقة الدماء، وتكتفي بفرض طوق أمني حول بعض المواقع، متمسكة بالشروط التي أعلنتها: تسليم أفراد العصابات الأمنية أنفسهم، ومحاسبتهم قضائياً، أو ترحيلهم خارج المحافظة».

وأصدرت الرئاسة الروحية للطائفة الدرزية ممثلة بالشيخ حكمت الهجري، الأربعاء بيانا دعت فيه لوحدة الصف وحذرت من الاقتتال الداخلي، وجاء في البيان «لتكن مرجعيتكم هم أهلكم ومجتمعكم فقط، فلستم حلولا لمشكلات أحد، ولا حقول معارك لتحقيق مبتغى، ولا مجندين بيد أحد بحجة حفظ الأمن والأمان، وأي فكر يحاول تخريب البنى الداخلية، ويحاول تقطيع أواصر تماسكنا، ومستندات تآخينا، أو يحاول الاختراق محاولا التدمير، ومهما كان منبع هذا الفكر الهادم فليعلم أنه إلى زوال».

وتحدث شيخ العقل يوسف جربوع، عن أجندات خارجية يجري العمل عليها في السويداء، وقال «يجب التحلي بالمسؤولية من المواطنين، والتأكيد على فرض سلطة الدولة السورية، والتي نأمل أن تأخذ دورها بالكامل». لكن «الدولة» وفق ما يقول نور رضوان «ممثلة بالأمن العسكري، الجهاز الأمني الأقوى في الجنوب السوري، تبدو غير مكترثة بالاتهامات المسنودة بالوقائع، والتي تطالها بدعم عصابات الخطف والمخدرات والخارجين عن القانون».

تصاعد الهجمات المسلحة

مركز جسور للدراسات، ذكر في دراسة له الخميس، أن حالة التوتر في محافظة السويداء، ارتفعت إلى ذروتها في الحادي عشر والثاني عشر من شهر سبتمبر /أيلول/ على خلفية مواجهات بين «قوة مكافحة الإرهاب» المُشكَّلة حديثاً، ومجموعات مسلحة محلية تتلقّى دعماً من الاستخبارات العسكرية التابعة للنظام السوري. وكان مسرح الاشتباكات الأخيرة، بلدة «القريّا» وأطراف مدينة السويداء، حيث اندلعت مواجهات بعد أن احتجز فصيل «قوة مكافحة الإرهاب» المُشكَّل حديثاً خلية منتسبة لمجموعة يقودها راجي فلحوط المرتبط بـ «الأمن العسكري» لدى النظام، ويُشتبه بأن تكون الخلية وراء عمليات اغتيالات وتفجيرات في محافظة السويداء.

وقد شهد شهرا أغسطس/آب، وسبتمبر/أيلول تصاعداً في الهجمات المسلحة وعمليات الاختطاف التي تستهدف مقرات تتبع للفصائل المحلية، أو وجهاء ونشطاء سياسيين وحقوقيين، أو حتى ممتلكات مدنيين. ورجح المصدر أن تقف المجموعات المدعومة من المخابرات العسكرية التابعة للنظام، وراء العديد من الانتهاكات والاغتيالات، عازياً السبب إلى محاولتها خلق مناخ مناسب لزيادة تدخّل الأجهزة الأمنية في محافظة السويداء، بعد توليد قناعة كافية عند رجال الدين والوجهاء بضرورة «ضبط الأمن» وإنهاء حالة «فوضى السلاح».

ووفقاً لمركز الدراسات، فإن النظام ومِن خلفه روسيا يولي اهتماماً لافتاً في محافظة السويداء، إذ جرى تكليف اللواء علي ملحم رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية العامة والمقرب من موسكو بتولي هذا الملف، في محاولة لاقتباس نموذج محافظة درعا التي ترأس اللجنة الأمنية المسؤولة عنها رئيس الأمن السياسي اللواء حسام لوقا «ويبدو أنّ النظام سيستثمر التوجّس الداخلي في السويداء من ظهور قوى سياسية/عسكرية، تتلقّى دعماً دولياً، وترفع شعارات رحيل الأسد وتنفيذ القرارات الأممية الخاصة بالانتقال السياسي، والمقصود هنا: «حزب اللواء السوري» و»قوة مكافحة الإرهاب» المتحالف مع الحزب، إذ إنّ رجال الدين والفعاليات الشعبية يتخوّفون من جرّ السويداء إلى صراع سيؤدّي في طبيعة الحال إلى مواجهات بين الفصائل المحلية ذاتها المنقسمة في ولائها وأجَنداتها بين معارض وموالٍ للنظام، أو يقف على الحياد ويرفع شعار الدفاع عن أبناء السويداء».

ومما يجسّد حالة التوجّس الشعبي، وفق الدراسة، «من إطلاق حزب اللواء السوري الذي يترأسه الصحافي المقيم في فرنسا مالك أبو الخير، وما تلاه من ظهور قوة «مكافحة الإرهاب» المتحالفة معه، مناشداتُ شيخ العقل يوسف الجربوع إلى الأجهزة الأمنية في النظام للتدخل وضبط الأمن» عبر وسائل إعلام روسية، إذ إن هناك حالة من عدم الرضا الشعبي عن سلوك القوى الجديدة، خاصة تصفية شخص منتسب إلى مكوّن «البدو» وتعليق جثّته في الساحة العامة، مما عزّز المخاوف من اندلاع حرب أهلية، وهذا ما يعزّز حظوظ النظام في توسيع دوره في السويداء، على اعتبار أنّ ما يجري يدعم سرديته الخاصة بدوره في منع الحرب الأهلية بين الطوائف السورية.

ولم يستبعد المصدر أن تكون روسيا متوجّسة من سعي بعض الأطراف الدولية لاستنساخ تجربة شمال شرقي سوريا (الإدارة الذاتية) في محافظة السويداء، وهذا سبب مهم لتزيد من اهتمامها بالمنطقة، والعمل على توسيع دور الأجهزة الأمنية فيها، بل قد تذهب أبعد من ذلك، وتُغذّي صراعات بينية تخلق ذريعة للتدخل العسكري وانتشار وحدات الجيش بطلب من مكوّنات محلية.