أحاديث في غرف موصدة عن وعود أُعطيت برفع العقوبات عن باسيل ثمناً لتسهيل ولادة الحكومة؟

ابراهيم بيرم – النهار

في الغرف الموصدة التي يجلس فيها رموز من “حزب الله” تُقدَّم على اساس انها عليمة وعارفة بالمقدمات والمسارات التي سبقت ولادة حكومة الرئيس #نجيب ميقاتي وساهمت في تذليل العقبات الحائلة دون هذه الولادة، تدور تحليلات وتستقر استنتاجات فحواها الآتي:




– إن الحكومة الوليدة قد أُلّفت لتؤدي دوراً يوقف الانهيار وتضع الاسس اللازمة لورشة إعادة النهوض.
– وهي ليست بالضرورة حكومة انتقالية موقتة، كما يحبذ البعض وصفها، أُعِدّت لأدوار متواضعة ومحدودة، بل انها انوجدت بقدرة قادر لتطوي صفحة استمرت ما يزيد على العامين واتسمت بفرض حلقات الحصار الخانق على البلاد بغية دفعها نحو الانهيار والتفتت الذي من شأنه استنزاف اقتصاد البلاد وإغراق “حزب الله” في لجّة تناقضات وصراعات تجعله يفقد توازنه فيسهل فتح الابواب امام مرحلة مختلفة تماما.

وبناء عليه، فان المصادر عينها تقيم على يقين بان قرار تسهيل الولادة الحكومية من جانب واشنطن، وبصرف النظر عما إذا كان “امر عمليات” أم “قبة باط”، لم يكن خيارا اتخذته الادارة الاميركية بل اتى بعدما استشعرت هذه الادارة واولئك الذين أولجوا ادارة الملف ال#لبناني في بيروت “ان السيل بلغ الزبى”، وأن عمليات الضغط التي القت بثقلها على عنق الاقتصاد اللبناني وكادت ان تدقّه، قد اعطت مفاعيل عكسية استفاد منها من وضعتهم واشنطن في مربع الخصوم، وفي مقدمهم “حزب الله”. ولقد قام هؤلاء الخصوم في المقابل بتنفيذ هجوم مضاد قلب المعادلات، لاسيما بعد قرار استجرار المحروقات بالبواخر من إيران، إلى اجراءات اخرى ذات طبيعة إنقاذيه وانفراجية.

وهذا الاستنتاج الذي يتبناه الحزب صراحة وبالكامل ينطوي على إسقاط تلقائي لنظرية ان هناك تفاهما واضحا تكرس للتو ودخلت فيه واشنطن شريكة مباشرة، قد أفضى إلى تيسير عملية الولادة الحكومية وابصار الحكومة النور بعد مخاض عسير مستمر منذ أكثر من عام “استهلك” مكلّفَين لتأليف الحكومة هما السفير مصطفى اديب والرئيس سعد الحريري.

ولا شك في أن الحزب يتفاعل مع التطور الإيجابي الجديد المدوي وهو استيلاد الحكومة الميقاتية على أساس انه “مكسب” كبير له حاضرا ومستقبلا لأن الحاجة من الأساس كانت إلى رؤية حكومة تتولى إدارة الاوضاع بأي شكل، في حين أن الخصوم في الداخل والخارج على حد سواء كانوا يتعيّشون ويتكسّبون من الفراغ الحكومي وما ينتج عنه من فوضى وفلتان وانهيار مالي واقتصادي.

ولا ريب في ان الحزب لا يخفي إطلاقا ان هذا “المكسب النادر والعزيز” ما كان ليتحقق لولا “ضربة المعلم المحترف” التي تجلّت بأخذ قرار التحدي واستجرار المحروقات والتلويح بأداء اقتصادي مختلف من شأنه السماح لشركاء جدد بدخول السوق الاقتصادية التي كانت حكرا على فئة دون اخرى وفق تقسيمة تاريخية وُضعت ابان عهد الوصاية السورية وكان للحزب دور المقاومة فحسب.

ومع كل ذلك، فإن الحزب لا ينكر في أحاديث تلك الغرف المحدودة الحضور أن ثمة عاملا آخر قد ساهم بشكل او بآخر في بلوغ هذه الخاتمة السعيدة، اي ولادة الحكومة وفق المعايير والشروط التي وُلدت فيها، وهو صمود الرئاسة الاولى وفريقها السياسي عند ثوابت معينة ورفضه كل محاولات الترهيب والترغيب وحملات الاتهام بغية التنازل عن هذه الثوابت او التراجع عن خطوطها المرسومة.

في موازاة ذلك، يتحدث الرموز أنفسهم في المجالس اياها عن مكاسب اخرى أكثر عمقا وسيأتي حين من الدهر وتتم اماطة اللثام عنها تدريجا وذلك من قبيل اعطاء وعود جدية بالعمل على رفع سيف العقوبات المصلت على رئيس “التيار الوطني الحر” النائب جبران باسيل، وهي العقوبات التي اعلنتها الادارة الاميركية قبل أكثر من عام مع آخرين.

وما يؤثِر الحزب عدم الخوض في غماره او التوسع بالكلام عنه سبق ان تداولته وسائل الاعلام عبر تحليلات وتصريحات فحواها ان الرئاسة الأولى رهنت مسألة وضع توقيعها على مراسيم الولادة الحكومية بشرط ضمني هو رفع العقوبات الاميركية عن باسيل، وهي التي اعتبرت يومها انها عبارة عن ضربة قاصمة من شأنها تعطيل المستقبل السياسي الطموح لباسيل إلى حد وراثة الرئاسة الاولى مباشرة بعد خروج عمه من القصر الجمهوري.

وبصرف النظر عن دقة هذه المعلومة، فهي إنْ صحّت تعني على نحو ما ان لـ “حزب الله “دوراً في هذه المسألة.

لكن ماذا عما يقال عن ان ثمن الولادة الحكومية هو حصول باريس عبر شركة “توتال” على عقود نفطية ضخمة في حقول العراق تبلغ قيمتها المبدئية نحو 28 مليار دولار وقد تصل إلى أكثر من 72 مليار دولار في مرحلة لاحقة؟

يبتسم رموز الحزب العالمون عند سماعهم هذه المعادلة الحسابية التي واكبت عملية ولادة الحكومة الميقاتية ويجيبون باختصار: ان الدول ليست بالضرورة على شاكلة مؤسسة “كاريتاس” او المبرات الخيرية الرعائية، بل ان للدول مصالح وحسابات اقليمية حيوية يتم من خلالها الأخذ والعطاء، فضلاً عن ان الأخذ بمثل هذا الكلام واعتباره قيمة معيارية يفترض ان حكومة مصطفى الكاظمي في بغداد تعمل عند طهران او عند “حزب الله”، وهو افتراض لا يبدو منطقيا.

وبما أن الشيء بالشيء يُذكر، فما صحة ما تردد عن ان ثمة تفاهما دخلت واشنطن على خطه شريكة هو الذي افضى إلى ولادة الحكومة الميقاتية خلال شهر وبعض شهر؟

يجيب هؤلاء: دعونا لا نفرط في التفاؤل ونغالي في استخدام المفردات والمصطلحات الفضفاضة، ولنعتبر أن الامر هو أقرب إلى عملية تفهّم أكثر مما هو “تفاهم” ثابت سيبنى عليه في قابل الأيام. وبرهاننا على هذا انه للمرة الاولى منذ زمن بعيد تولد في بيروت حكومة ويتمثل فيها “حزب الله” مباشرة ولا نسمع كما جرت العادة أي اعتراض اميركي على هذا التطور. وعليه ألا يجدر بالمهتمين أن يوجهوا هذا السؤال مباشرة إلى المسؤولين الأميركيين أنفسهم؟ اليس لافتا أنهم اعتصموا بالصمت عن الكلام المباح حيال حدث من هذا النوع خلافا للمرات السابقة؟