انكفاء السعودية يمنح تركيا لعب دور “حامية سنة لبنان”

يترك الابتعاد السعودي بسبب معارضة الرياض لحزب الله في لبنان المجال لتوسع الدور التركي، حيث تقدم أنقرة نفسها كـ”حامية للسنة”، وهو دور ارتبط بالسعودية خلال العقود الماضية.

ودعا الأمين العام للجماعة الإسلامية في لبنان عزام الأيوبي اللبنانيين الأربعاء إلى “استلهام” التجربة التركية في المرحلة المقبلة.




وقال الأيوبي خلال ندوة نظمها منتدى الدراسات والبحوث تحت عنوان “النهضة التركية وأثرها على الطائفة السنية في لبنان”، “إن جزءا مما يشغل تفكير المسلمين السنة في لبنان هو الدور الذي يمكن لتركيا أن تقوم به في البلد لصالحهم، انطلاقا من بحثهم عن سبيل لإعادة التوازن المفقود في لبنان”.

وأشار إلى أن “المسلمين السنة في لبنان يتطلعون إلى أي قوة يمكن أن تدعمهم من أجل التوازن الداخلي، وذلك نتيجة شعورهم بحال الضعف أمام المكونات الأخرى”.

وباتت أنقرة تستثمر بشكل جلي الانكفاء السعودي عن المشهد اللبناني، خصوصا بعد حادثة مرفأ بيروت العام الماضي وعدم مبالاة الرياض بالتطورات السياسية هناك، للتبشير عبر أذرعها المحلية بالنموذج التركي وقدرته على إحداث التوازن الداخلي بين الطوائف اللبنانية.

ولا تخفي الرياض عدم رضاها عمّا يجري في لبنان من تطورات سياسية وتوقفت عن تقديم أيّ دعم اقتصادي للبلاد عقب انفجار مرفأ بيروت العام الماضي، فضلا عن تقليص بعثتها الدبلوماسية في بيروت.

ترى الرياض على لسان كبار المسؤولين فيها أن الدولة اللبنانية صارت خاضعة كليا لسطوة حزب الله، الأمر الذي يحول دون حضورها السياسي والاستثماري في لبنان.

وتعتبر مصادر سياسية تتابع التحرك التركي في لبنان أن رهان أنقرة في الوقت الحاضر هو على ملء الفراغ العربي في البلد انطلاقا من اللعب على ورقة الطائفية عبر أذرعها الخيرية والإسلامية.

وتوظف تركيا عدّة آليات لاختراق المجتمع السنّي في لبنان، عبر توظيف الجماعة الإسلامية والمساعدات الإنسانية، مستغلّة الوضع الاقتصادي الصعب وفتور الدور العربي حيال لبنان.

وفتح الفراغ الذي أحدثه غياب العرب الفاعل وخاصة السعودية عن التواجد في الساحة السنية، الباب أمام اللاعبين على المستوى المذهبي للإيحاء بأنهم البديل الراعي، وهذا ما دفع البعض إلى الاستفادة من الاندفاعة التركية نحو توسيع النفوذ.

ويعيش المكون السني في لبنان فراغا سياسيا، ما يجعله جاهزا للاستعمال، فطرابلس والشمال يمكنهما أن يشكلا حاضنة خصبة للمشروع التركي.

ولا يبدو التدخل التركي في لبنان محصورا في الشمال، حيث تشير مصادر إلى محاولة توسيعه باتجاه مدينة صيدا جنوب لبنان عبر مساهمة أنقرة في تمويل بناء مستشفى متخصص في معالجة الحروق، غير أن هذه المحاولة لم تتوسّع كثيرا كما هي الحال بالنسبة لشمال لبنان.

واتهم موقع “أساس ميديا” الذي يشرف عليه وزير الداخلية السابق المقرب من السعودية نهاد المشنوق، العام الماضي، مدير الأمن اللبناني السابق ووزير العدل السابق أشرف ريفي بأنه ينسق مع المخابرات التركية للسيطرة على شمال لبنان.

ورد ريفي على المشنوق واصفا إياه بأنه ينتقل “من دسيسة إلى دسيسة ولا يتغير إلا رب العمل”.

ويعتبر مراقبون أن الانكفاء العربي عن الساحة السنية اللبنانية جعل السنة يتطلعون إلى دور تركي من أجل التوازن مع الهيمنة الإيرانية على لبنان.

ويشير هؤلاء إلى أن أنقرة استفادت كثيرا من الخلافات داخل المرجعيات الإسلامية السنية في لبنان وتشتتها، حيث وجدت في هذا الأمر جسرا لمحاولة تشكيل حالة سياسية جديدة.

Thumbnail

ويقول الأيوبي إن “السنة في لبنان يتطلعون إلى تركيا لأنها وقفت خلال العقد الأخير إلى جانب شعوب كانت تشعر بالاضطهاد والمظلومية، وأغلب هذه الشعوب كانت من المسلمين السنة”.

وتمكنت تركيا من احتضان عدد من الشخصيات الإسلامية في الشمال، بعد أن لمست تلك الشخصيات تراجعا سعوديا عن الاهتمام بلبنان، بالتوازي مع الدعم التركي المستمر.

وتعول أنقرة الآن على هذه الشخصيات للتبشير بالنموذج التركي وما يمكن أن تحققه الطائفة السنية من وراء ولائها لأنقرة.

ورغم أن ثقل الجماعة الإسلامية في لبنان غير مؤثر على المشهد السني إلى حد الآن، إلا أن مراقبين يؤكدون توسع أنشطة الترويج لمزايا النموذج التركي على الطائفة، ما قد يخلق حالة من الانشقاقات داخل المكون الذي يشهد تجاذبات أصلا.

وتشير مصادر سياسية إلى أن الاندفاعة التركية تجاه لبنان مؤخرا تعكس رغبة القيادة التركية، الممثلة في رجب طيب أردوغان، في مواجهة النفوذ السعودي المتآكل في “حرب قيادة العالم السنّي”.

ويعتبر السياسيون السنة في لبنان أن تركيا تسعى لاختراق واسع في لبنان و”تمثيل الطائفة” من خلال مشروع رعاية الجمعيات الإسلامية والاهتمام بترميم الأبنية القديمة، مع تركيز خاص على تلك التي تذكّر بالحقبة العثمانية.

ويؤكد مراقبون أن الابتعاد السعودي بسبب معارضة الرياض لحزب الله، يترك المجال لتوسع الدور التركي داخل الطائفة السنية خدمة لأجندات أردوغان التوسعية، وفرض نفسه من خلالها لاعبا رئيسيا في المنطقة.