وعود دولية وعربية لإخراج لبنان “موقتاً” من نفق العتمة المزمن… فهل تواكب الحكومة الجديدة “الانفراج” بإصلاحات محلية تغيّر المشهد؟

سلوى بعلبكي – النهار

بعيداً من لغز تأخر وصول النفط العراقي، والمواعيد العرقوبية الممدَّدة من أسبوع إلى آخر، وفي انتظار إعادة إحياء إتفاقية خط الغاز العربي بين مصر، الأردن، سوريا و#لبنان لاستجرار الغاز، لزوم معمل دير عمار، والعمل على تأمين جزء من حاجات لبنان من خلال استجرار ال#كهرباء من الأردن عبر سوريا، يبدو ان إصلاح الكهرباء عاد ليتصدر أولويات “العناية الدولية” والعربية، خصوصا إذا وُضِع القرض الكويتي “الميسّر” القديم الذي أحيا أخباره الرئيس نجيب ميقاتي، لبناء معامل الكهرباء على السكة من جديد. وتأتي الإشارات الدولية بالتوازي مع وعود محلية عبّر عنها وزير الطاقة الجديد وليد فياض ببذل قصارى جهده لتحسين وضع الكهرباء… فهل يعني ذلك ان اللبنانيين مقبلون على مرحلة انفراج “كهربائي” نسبي، قد يخرجهم من نفق ال#عتمة والتقنين الذي فُرض عليهم دخوله بسبب السياسات العشوائية، والهدر والمناكفات الممزوجة بالنكايات السياسية التي حكمت قطاع الطاقة منذ التسعينات حتى اليوم؟




إذاً ينتظر لبنان بدء تنفيذ العقد الموقع مع العراق لاستقدام مليون طن من الفيول الثقيل واستبداله بفيول لزوم مؤسسة كهرباء لبنان عبر مناقصات spot cargo، إذ يتوقع ان تصل الشحنة الاولى في غضون يوم او يومين، إضافة إلى إعادة احياء الخط العربي لاستقدام الغاز المصري إلى لبنان عبر الأردن وسوريا. فالاردن الذي يملك فائضاً من الطاقة المتجددة، يمكنه ان يزوّد لبنان نحو 270 ميغاواط عبر درعا ومن ثم الديماس في سوريا إلى كسارة في لبنان. فهل هذه الكميات كافية، وإلى اي مدى يمكن ان تساعد لبنان؟

وفيما تحتاج مؤسسة كهرباء لبنان إلى 110 آلاف طن من الفيول والمازوت شهرياً لإنتاج 800 ميغاواط من الطاقة الكهربائية، علمت “النهار” أن المؤسسة ستحصل على 60 ألف طن من الفيول المستبدل لقاء كمية من الفيول العراقي، وتالياً يبقى على مؤسسة الكهرباء تأمين 50 ألف طن من الوقود لتشغيل المعامل وانتاج الكمية عينها من الكهرباء (800 ميغاواط). ووفق المعلومات فإنّه إلى حين وصول الغاز المصري يجب تأمين 50 ألف طن فيول كون الكمية المستبدلة وحدها غير كافية وتشكّل 25 إلى 30 في المئة من حاجة لبنان، في حال أردنا العودة إلى كمية الانتاج في السنوات السابقة وزيادة الطاقة المنتجة.

بيضون: فياض فرصة لتطوير تمايز نهج غجر عن سابقيه!

المدير العام السابق للاستثمار في وزارة الطاقة والمياه غسان بيضون، يرى أن الاجابة عن سؤال كميات المحروقات الممكن توافرها لمصلحة كهرباء لبنان من مختلف المصادر، تبقى محدودة “إن لم نقل غير ممكنة، في ظل الغموض السائد في هذا الإطار، وطالما ليست هناك معلومات تفصيلية كافية وأكيدة حول هذه الكميات والإمكانات، لا من المؤسسة ولا من المديرية العامة للنفط، وإنما تقتصر على ما تضمّنته تصريحات وزير الطاقة السابق ريمون غجر من إشارات مقتضبة تستدعي الربط بينها وبين غيرها من مصادر المعلومات والتعليقات المنشورة في الإعلام، على رغم الحاجة الملحّة لوضع تصور واضح حول مختلف مصادر توفير المحروقات لزوم المؤسسة خلال المرحلة والفترة القصيرة المقبلة، أقله إلى أن تُستكمل إجراءات منح الحكومة الثقة ومباشرة وزير الطاقة الجديد مهامه بشكل فاعل، بعد التعرف على واقع القطاع والمؤسسة والصعوبات التي يعاني منها وتحتاج إلى معالجة”.

حيال ما تقدم، “يُفترض أن يكون لدى مؤسسة كهرباء لبنان مخزون من المحروقات يكفي حتى آخر الشهر الجاري وفق وتيرة وبرنامج الإنتاج المعتمد حالياً والذي يؤمن عموما ما بين 3 و4 ساعات تغذية، بحسب الظروف والأعطال العادية والمفاجئة والمناطق، باستثناء القرى التي يمكن أن تتغذى من إنتاج المعامل التابعة للمصلحة الوطنية لنهر الليطاني، على سبيل المثال. إلى ذلك هناك كمية الشحنة الأولى من الفيول Grade B البالغة 30 ألف طن، والتي كان متوقعاً وصولها بنهاية الأسبوع الماضي، والصالحة للاستخدام في تشغيل معملَي الزوق والجية الجديدين، إضافة إلى البواخر المفترض أن تنتهي عقودها الممددة آخر أيلول الجاري، والتي لا يمكن التكهن بمستقبلها ومعالجة مستحقاتها، وكمية الشحنة الثانية بنتيجة تنفيذ اتفاقية النفط العراقي والبالغة 30 طنا غاز أويل والصالحة للاستخدام في معملي دير عمار والزهراني وكذلك معملي صور وبعلبك. يضاف إلى هذه الكميات تلك التي يمكن توفيرها من خلال حصة الكهرباء من مبلغ الـ 225 مليون دولار المخصصة للدعم على سعر 8 آلاف ليرة، ويفترض أن للكهرباء حصة منها، لا سيما أن هناك أخبارا عن اتجاه مصرف لبنان نحو فتح اعتماد في هذا الإطار”، وفق ما يشرح بيضون.

وفي الانتظار، يرى بيضون أنه يمكن لوزارة الطاقة أن تتخذ أو تقترح تدابير على الحكومة ورئيسها تساهم في تأمين كميات إضافية من المحروقات لمصلحة كهرباء لبنان، لا سيما بعد توافر المليار ومئة مليون دولار من حقوق السحب لدى صندوق النقد، بما يساهم في التخفيف من حدة أزمة إنتاج الكهرباء القائمة والتي بلغت ذروتها خلال السنتين الأخيرتين وبعد نفاد قيمة آخر سلفة خزينة أعطيت للمؤسسة وبلغت 300 مليار ليرة وتمت الافادة منها بعد مد وجزر.

وفي إطار تحليل الوقائع والمستجدات الأخيرة على مستوى الانفراج في مسألة استجرار الغاز والكهرباء من مصر والأردن عبر سوريا، والتي تؤشر نتائج الاجتماع الوزاري الرباعي بحضور وزراء الطاقة في الدول الأربع المعنية بالاتفاقية، يشير بيضون إلى أن ثمة تفاوتاً في تقديرات الوقت اللازم لتعديل الاتفاقيات ووضعها موضع التنفيذ تقنياً ومالياً، بحيث تراوح المدة اللازمة لذلك ما بين شهرين أو ستة أشهر وربما أكثر. وعن إمكان مساهمة المازوت الإيراني في التخفيف من حدة الأزمة، لا يتوقع بيضون أكثر من توفير هذه المادة للمولدات بسعر “أبيض” بما يساهم في خفض فاتورة المواطن بعد بلوغها حدودا لا تطاق.

لا شك في أن معالجة أزمة الكهرباء ستكون في مقدم أولويات الحكومة الجديدة برعاية “دولية” لطالما دعت وسعت إلى إصلاح هذا القطاع واشترطت لإعطاء أي مساعدات إحداث تغيير حقيقي وملموس في هذا المجال، و”لنتوقع خيراً مع تسلم الوزير الجديد مهامه، والذي يبدو متهيبا المهمة ومستعدا للمواجهة والتغيير الذي بدا واضحاً في نهج الوزير غجر المتمايز عن نهج سابقيه وإن بحدود ضيقة بسبب ضيق الظروف وضآلة هامش التحرك لحكومة تصريف الأعمال ووقف الدعم من قِبل مصرف لبنان”، وفق ما يقول بيضون.

القرض الكويتي للطاقة؟

توازياً، تفاءل اللبنانيون خيرا بالتصريح الثاني لرئيس الحكومة نجيب ميقاتي حيال تواصله مع الكويت لإعادة إحياء القرض الذي عرضت على لبنان تقديمه سنة 2011 لبناء معامل انتاج كهربائية، وهي المرة الثانية التي يكرر فيها ميقاتي الكلام حول هذا القرض وتواصله مع الكويت لأجل ذلك، بيد ان مقال رئيس تحرير جريدة “الراي” الكويتية وليد الجاسم الذي نُشر قبل يومين بعنوان: “على عيني وراسي “العروبة”… ولكن أهل الكويت أولى”، أتى ليفرمل هذا التفاؤل، إذ يكشف عن رأي عام كويتي متردد أو رافض لمساعدة لبنان بسبب سياسات الدولة اللبنانية، ووجود أزمات اقتصادية واجتماعية في الكويت، تتقدم في أولوياتها وفق رأيهم، على المشكلات اللبنانية.

هذا الموقف الإعلامي شكلاً والسياسي ضمناً، وضعته بعض التحليلات في اطار الالتزام العام لدول مجلس التعاون الخليجي، بالتوقف عن مد لبنان بأي مساعدة، “طالما ان السياسة الرسمية للدولة اللبنانية وسياسة الحكومة تتعارض وتتناقض مع الموقف العربي العام، وتحديدا الخليجي، حيال الأزمة السورية، والعلاقة مع إيران وتدخلها بالشؤون العربية، وأنشطة حزب الله في سوريا والعراق واليمن”.

فهل اتُّخذ القرار النهائي بمعاقبة لبنان واللبنانيين عما اقترفته حكوماتهم؟ وهل التفاؤل بإمكان مد لبنان ببعض المصل الاقتصادي الخليجي تبخر؟ وهل الحكومة الوليدة أمام مأزق البحث عن موارد وقروض جديدة وبسرعة لإنقاذ لبنان من العتمة الشاملة؟ وفق واقع الأمور، ربما تكون إعادة “إضاءة” لبنان وإعادة الحياة إلى شرايين الاقتصاد، ليست بالضرورة عبر إقناع مُحسِن دولي بمنح لبنان قرضا ميسرا لإنشاء معامل إنتاج وغير ذلك، بل ربما يأتي في إطار إقناع أهل الربط والحل والسلطة فيه، بأن الخروج على العرب والالتحام بمحاور معادية لهم، وتبنّي سياسات تقوّض التاريخ المشترك معهم، لن تجلب للبنان إلا العزلة والتقوقع، وتاليا المزيد من العتمة والطوابير، والتحسر على ماضٍ أطلقت السلطة اللبنانية النار على رجليه بيديها.