فورين أفيرز: “الوعود الكاذبة لاتفاقيات إبراهيم”.. القمم الاقتصادية والتطبيع لن تنهي القضية الفلسطينية أو الاحتلال

تحت عنوان “الوعد الكاذب لاتفاقيات إبراهيم” قال الباحث جيرمي بريسمان، أستاذ العلوم السياسية ومدير برنامج الشرق الأوسط بجامعة كونيكتيكت، إن السلام لا يزال بعيدا عن الشرق الأوسط بعد عام من توقيع الاتفاقيات. وأشار في البداية للضجة التي رافقت الإعلان عن اتفاقيات التطبيع التي وافقت عليها البحرين والإمارات مع إسرائيل في 15 أيلول/سبتمبر وتبعهما المغرب والسودان.

 وقال بعض المسؤولين في إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب إن الاتفاقيات تعبر عن تغير في المواقف العربية وإن اندماج إسرائيل في المنطقة لم يعد مشروطا بحل القضية الفلسطينية. ورغم ما حملته الاتفاقيات من دعوة إسرائيل للامتناع عن عمليات ضم الأراضي الفلسطينية إلا أن الإمارات وغيرها من الموقعين على التطبيع لم تطالب بتنازلات كبيرة، مثل إنهاء الاحتلال أو إنشاء دولة فلسطينية قبل التوقيع.




العنف في أيار/مايو 2021 كان بمثابة امتحان كبير حول فصل عمليات التطبيع عن المسألة الفلسطينية

ولكن العنف في أيار/مايو 2021 كان بمثابة امتحان كبير حول فصل عمليات التطبيع عن المسألة الفلسطينية. وبعد أسابيع من التصعيد والتهديد بتشريد عائلات فلسطينية من القدس واستخدام الشرطة الإسرائيلية القوة ضد المصلين في الأقصى قامت حركة حماس في غزة بشن هجمات صاروخية ضد إسرائيل. وردت الأخيرة بحملة قصف دمرت أبراجا في القطاع، ومع نهاية القتال كانت حصيلة القتلى هي 260 فلسطينيا و13 إسرائيليا، وتم تشريد عشرات الآلاف من بيوتهم في غزة. وامتلأت شاشات التلفزة بصور الفلسطينيين الذين يعانون، كدليل على تأصل العنف في الاحتلال الإسرائيلي وعدم استقراره. ورغم انتقاد الإمارات المعاملة الإسرائيلية للفلسطينيين إلا أنها لم تقطع علاقاتها مع إسرائيل أو تجمد العلاقات الدبلوماسية الجديدة.

وكانت الرسالة واضحة: المواجهات الفلسطينية- الإسرائيلية لن تقف عقبة أمام عمليات التطبيع. وفي حزيران/يونيو زار وزير الخارجية يائير لابيد الإمارات لحضور حفلي افتتاح السفارة الإسرائيلية في أبو ظبي والقنصلية في دبي. وافتتحت أبو ظبي سفارتها في تل أبيب بعد فترة قصيرة. وفي نفس الوقت ظلت العلاقات الإسرائيلية- الفلسطينية متوترة رغم الجهود المصرية وحديثها غير المباشر مع حماس واتصالاتها مع إسرائيل. ونتيجة ذلك تسير العلاقات العربية – الإسرائيلية والإسرائيلية- الفلسطينية على مسارين مختلفين.

وتركت الدبلوماسية في المنطقة الوضع في فلسطين أبعد عن الحل وأكثر مما كان عليه قبل عملية التطبيع. وظل الموضوع الفلسطيني وعلى مدى عقود القضية المركزية للعالم العربي. وبعد هزيمة 1967، اعترفت الجامعة العربية بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي للفلسطينيين. وكانت إسرائيل تبحث عن طرق للتطبيع مع دول المنطقة وقدمت أوراق مقايضة للدول العربية في جهود حل النزاع الإسرائيلي- الفلسطيني. وكان الرد دائما: يجب معالجة القضية الفلسطينية أولا ومن ثم يتم الحديث عن العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية.

وبدأت محادثات متعددة الأطراف وإن بشكل محدود في مدريد ومن ثم أوسلو في التسعينات، لكن الدول العربية انتظرت حتى 2002 عندما تقدمت بمبادرتها للسلام وقدمت عرضا. وقادت المبادرة السعودية ووافقت عليها الدول العربية حيث تضمنت اعترافا عربيا كاملا بإسرائيل مقابل الانسحاب من الأراضي المحتلة وإنشاء دولة فلسطينية عليها. إلا أن الدول العربية وهي تحاول معالجة المشكلة الإسرائيلية- الفلسطينية بدأت بمتابعة مصالحها الخاصة، حتى لو تعارضت هذه مع سياسة منظمة التحرير أو مصالح الفلسطينيين.

وبدأت الصدوع تظهر في الجبهة العربية، وخرجت مصر أولا عن الإجماع بشكل كان له أثر واضح. وسافر أنور السادات إلى القدس في 1977 وبعدها ذهب ووقع اتفاقية كامب ديفيد في 1978 ومن ثم اتفاقية السلام المصرية- الإسرائيلية 1979. وهو ما فتح الباب أمام علاقات اقتصادية ثنائية وإن كانت محدودة، وبخاصة في مجال الطاقة. وفي مجال المواجهة الإقليمية مع إسرائيل فإن الاتفاقية أخرجت الجيش المصري، عصب القوات العربية الموحدة من المعادلة. وحاول السادات البحث عن ورقة تين للتغطية على قراره التطبيع مع إسرائيل، فقد انضم بعد توقيع الاتفاقية للجهود التي توسطت بها الولايات المتحدة من أجل تحقيق حكم ذاتي فلسطيني، ولم تطل الجهود وتم عزل مصر عن السياق العربي لعدة سنوات.

أحداث نيسان/إبريل وأيار/مايو كشفت أن اتفاقيات التطبيع لم تخفف من النزاع الإسرائيلي- الفلسطيني، بل على العكس

وبحلول 2020 لم تر حكومات الإمارات والبحرين والمغرب والسودان أي ضرورة للتستر على اتفاقياتها مع إسرائيل، وفي مسألة التطبيع لم تحصل هذه الدول على تنازلات من إسرائيل مقابل التطبيع- لا تعهد بالتفاوض مع الفلسطينيين ولا التزامات بحقوق الفلسطينيين أو استقلالهم ولا شيء لوقف إسرائيل احتلالها. وكل ما وعدت به إسرائيل تجميد مؤقت لعمليات الضم وواصلت بدعم من إدارة ترامب عملية الضم الفعلي للضفة الغربية.

ومن هنا فقد كانت اتفاقيات إبراهيم رفضا لعملية المقايضة التي جسدتها المبادرة العربية. وظلت هذه تراوح في مكانها لأن إسرائيل لم تعبر أبدا عن اهتمام بها، واليوم رفضت الإمارات والدول الأخرى التي طبعت جوهر التبادل فيها. ولم تحل اتفاقيات التطبيع الجانب الفلسطيني من المشكلة، مع أن الإمارات وإسرائيل وثقتا علاقاتهما الدبلوماسية والاقتصادية والتعليمية، على حساب الموضوع الإسرائيلي- الفلسطيني الذي أصبح راكدا.

ويرى الكاتب أن ترك الموضوع بدون حل لا يعني أن القضية ستختفي بنفسها، ونحن نتحدث هنا عن حركة وطنية فلسطينية قوية تحظى باعتراف دولي. ويعتقد أن أحداث نيسان/إبريل وأيار/مايو كشفت أن اتفاقيات التطبيع لم تخفف من النزاع الإسرائيلي- الفلسطيني، بل على العكس. وكان العنف الذي اندلع في القدس الذي نتج بداية عن منع الفلسطينيين من التجمع أمام بوابة دمشق، ثم محاولات إخراج العائلات من الشيخ جراح والتظاهرات في داخل إسرائيل ودخول الشرطة إلى المسجد الأقصى دليلا أن الحل ما زال بعيدا. وكان كل جزء من فلسطين التاريخية حاضرا في المواجهة. فتشريد إسرائيل للفلسطينيين لا يقتصر على الضفة الغربية وغزة ولكن في القدس وفي حدود ما قبل 1967، فالدفع لتحقيق منافع سكانية وسيطرة على الأرض لليهود يظل قائما.

وبأحداث كهذه فتعهد إسرائيل بوقف مؤقت للضم يظل أمرا مخيبا للآمال. وكشفت الاضطرابات أن الفلسطينيين لن يذهبوا بسهولة. فالتظاهرات في القدس وإلغاء محمود عباس للانتخابات والقصف الجوي الإسرائيلي لغزة وهجمات حماس كلها أدلة على أن الموضوع لم يمت بل ولا يزال حيا. كما ولا يزال يحتفظ بدعم دولي: تظاهرات دعما للفلسطينيين في كل أنحاء الشرق الأوسط، بما فيها لبنان والأردن وأماكن أخرى من العالم. وتم تداول صور القمع الإسرائيلي للفلسطينيين وبشكل واسع على منصات التواصل الاجتماعي.

ومن الواضح أن اتفاقيات التطبيع والقمم الاقتصادية ليست الطريق لحل القضية الفلسطينية. ولم يصدر من الدول الموقعة على اتفاقيات إبراهيم إلا نقدا خفيفا خلال كل هذا. ففي المراحل الأولى للاحتجاج في الشيخ جراح أصدرت وزارة الخارجية الإماراتية بيانا دعت فيه إسرائيل لتحمل مسؤوليتها وتخفيض التوتر ووضع حد لكل أشكال العدوان التي تطيل التوتر والعداء. ودعت البحرين إلى التوقف عن استفزاز سكان القدس، أما المغرب فعبر عن قلقه العميق. وقال رئيس الحكومة الانتقالية في السودان إن ما يحدث لأهل غزة العزل مؤسف، ولكنه أكد أن حل القضية الفلسطينية منفصل عن التطبيع.

تظل حالة الإمارات كاشفة، وبخاصة فيما لم يحدث. فالقلق على الفلسطينيين لم يتفوق على مصالح الإمارات بعلاقات قوية مع إسرائيل

وتظل حالة الإمارات كاشفة، وبخاصة فيما لم يحدث. فالقلق على الفلسطينيين لم يتفوق على مصالح الإمارات بعلاقات قوية مع إسرائيل. فالتطبيع مع إسرائيل هو بمثابة قوة معادلة للتأثير الإيراني في المنطقة ومنفذ يسهل حصولها على الأسلحة الأمريكية ومصدر للأمن حالة تلاشى الوجود الأمريكي بالمنطقة وفائدة اقتصادية. وعندما اندلع العنف في القدس وبدأت القنابل تسقط على غزة لم تقطع الإمارات علاقاتها مع إسرائيل ولم يصدر عنها أي نقد قاس، ولم تحاول الخروج من اتفاقيات إبراهيم أو ضبط علاقتها مع إسرائيل. بل على العكس استمرت الشراكة الإماراتية- الإسرائيلية بالنمو.

وفي نهاية أيار/مايو وبداية حزيران/يونيو بعد توقف العنف وقعت إسرائيل والإمارات اتفاقية تتعلق بالضريبة، واستقبلت أبو ظبي منبر الاستثمار العالمي برعاية إسرائيلية ومتحدثين إسرائيليين بارزين. كما وافتتح معرض عن الهولوكوست في دبي. وقويت العلاقات أكثر من خلال مكاتب دبلوماسية واتفاقيات أخرى وقعت في الصيف. ومع أن تطبيعا عربيا- إسرائيليا في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي كان مستحيلا إلا أنه أصبح اليوم واقعا. وقد يستمر التطبيع بين إسرائيل وبعض الدول العربية بدون القلق أو الاهتمام بوضع فلسطين، لكنه لن يغير الوضع على الأرض أو الحركة الوطنية الفلسطينية. وسيستمر الاحتلال الإسرائيلي والمقاومة الفلسطينية له.

ويظل المعيار الجديد غير محصن أو ثابت، فلو زاد مستوى القمع أو كثافته ضد الفلسطينيين وتصاعدت المواجهات بين إسرائيل وحماس فإن الدفع نحو التطبيع وواقع الاحتلال سيتعارضان، بشكل يجعل من مستوى العلاقات الحالي غير دائم وربما تراجعت الخطوات التي تمت في العام الماضي نحو إقامة علاقات طبيعية. ولم تركب كل الدول العربية بعد قطار التطبيع، وظل السؤال الأكبر في الربيع حول موافقة السعودية على التطبيع بعد تعرضها للضغوط الأمريكية والإسرائيلية. ويبدو أن نموذج “التطبيع على الرغم من واقع الاحتلال” ليس مقبولا للرياض.

وتدعم إدارة بايدن خطوات التطبيع لكنها لم تقدم المحفزات التي قدمتها الإدارة السابقة، مثلما حدث مع المغرب الذي حصل على اعتراف بالسيادة على الصحراء الغربية كهدية للتطبيع. وحصلت الإمارات على أسلحة متقدمة مقابل التطبيع، ولا تتوقع دول عربية أخرى صفقات مغرية من واشنطن لكي تشارك في اللعبة الجديدة.

وفي النهاية فإقامة علاقات طبيعية بين الدول أمر إيجابي ولكن في حالة النزاع الإسرائيلي- الفلسطيني فالتطبيع ليس علاجا، رغم أن القضية الفلسطينية لم تعد مهمة في المنطقة كما في السابق. ورغم ما حققته إسرائيل من تقدم في علاقاتها مع بعض الدول العربية، إلا أن واقع الاحتلال يظل قضية قوية ومصدرا لعدم الاستقرار. وتجاوزه عبر الدبلوماسية الإقليمية لا يعني أنه سيختفي.