سمير عطا الله

العبقرية الحفاضية في المسألة الاقتصادية – سمير عطالله – النهار

“ربّي وإلهي، برغم الصلوات الكثيرة التي رفعناها إليك، لا نزال نخسر حروبنا باستمرار. غداً سوف نخوض معركة عظيمة حقاً. برغم كل قوتنا نحن في حاجة إلى مساعدتك، ولذلك، يجب أن أقول لك شيئاً. هذه المعركة غداً سوف تكون مسألة خطرة. لن يكون فيها مكان للأبناء. لذلك، يجب أن أطلب منك ألّا ترسل ابنك لمساعدتنا. تعال بنفسك”. (صلاة زعيم قبيلة كريكاس في حرب البلوير، 1876)

الفقر اسوأ النوازل التي تضرب الفرد والجماعات والشعوب والأمم. لا شيء يجرِّد الإنسان من انسانيته وكرامته، ويعفِّر جبينه في مكبّات الزبالة إلا الفقر. لا شيء يجرّد المرأة من حمايتها، ويدمّرالأخلاق العامة، ويذلّ العائلات، ويلغي الضوابط والأعراف والحد الأدنى من بشرية البشر، مثل الفقر.




أعظم كتّاب القرن التاسع عشر، في كل اللغات، أثاروا أحزان الناس في الكتابة عن ملحمة الحياة الرهيبة: الفقر. والخوف من الفقر. وزرزعة البدن من مجرد التفكير فيه. فيكتور هيغو في فرنسا، وتشارلز ديكنز في بريطانيا، وتولستوي ودوستويفسكي في روسيا. ومن ثم، ظل الفقر بطل روائيي القرن العشرين، وليم فوكنر وجون شتاينبك، وفي الروسيا ماكسيم غوركي، وفي مصر طه حسين، ويوسف ادريس وعبد الحليم عبدالله.

وأدّى الفقر والفروقات بين الاغنياء والمعوزين الى قيام الثورات، العادلة والعدمية. وصححت حركات كثيرة، توحش الرأسمالية وغطرستها، وسلوك تماسيحها واغنيائها الجدد. لكن الفارق ظل سحيقاً في اكثر المجتمعات، خصوصاً حيث تغيرت معاني الثروات وأساليبها، من العمل والنجاح، الى التهريب وغسل الاموال، والجريمة المنظمة، والفساد الفاجر والاقطاع الجديد، أي استغلال السلطة العمياء لتكديس المال والأزلام، مع رفع شعارات لزجة كالمساواة والعدالة ومحاربة الفساد.

المثال الأسوأ على ذلك ليس زعماء المنظومة الاشتراكية، كمثل الروماني تشاوشيسكو، الذي بنى لنفسه قصراً يفوق فرساي بكثير، وإنما من قلب الثورة الفرنسية نفسها: الثائر الأكبر بونابرت، لن يرتضي بوراثة لقب الملكية التي أرادها، بل سوف يعيّن نفسه امبراطوراً، ويرسم أشقاءه وشقيقاته ملوكاً وحكاماً على اوروبا. ومعظمهم كان من “الميديوكر”، التي لم أعثر لها على ترجمة دقيقة واحدة في كل القواميس، لأنها مزيج من العادي والمتخلف، والخامل، والتنبل والبليد. ونَصَر فرنسا عسكرياً، ثم ألحق بها شرّ الهزائم. وعندما انتهى، كانت قد خسرت أكبر عدد من العسكريين في تاريخها. والثائر الأول صار امبراطوراً وزّع الألقاب النبيلة على الأقارب والأزلام بالكيلو. هذه مسألة تحدث دائماً، كما يقول ابن خلدون، المغلوب يقلّد الغالب على الدوام. رئيسنا، الدكتور حسان دياب، لم ينتظر ليلة واحدة للانتقال الى السرايا. أصرَّ على وهج ليلة الدخلة.

برغم سقوط نحو 200,000 قتيل، لم يكن أثر الحرب فاتكاً كما هو اليوم. فالأولى كانت حرباً بين ال#لبنانيين، بينما هذه النازلة حرب عليهم جميعاً، إلا وحوش المافيا، جديدها وقديمها. خليط من الشبق المالي والعدم الإداري. في السابق كانت المعرفة الإدارية تؤمِّن الحدود الدنيا من لزوميات الحكم والاستقرار الاقتصادي، أما في العدميات المطلقة فلا يبقى شيء: لا الضمير ولا الإحساس. في ملحمة “البؤساء” الذي لا يرضى ولا يكنّ ولا يكتفي هو المضطَهَد، لا الضحية. المفتش “جافير” لا جان فالجان. ومن أجل أن تطعم ابنتها كوزيت، تبيع ماتين جسدها. حكاية تقليدية دخل عليها هيغو بقلمه، فجعلها الياذة البؤس. قصة تتكرر في الأمكنة والازمنة. الإنسانية بؤس دائم، لذلك يسمى عكسها “اعجوبة”. أفقر هتلر المانيا، ورمّدها، وجعل نساءها تحت جزم الاحتلال، وجاء رجل يدعى لودفيغ ارهارد فاجترح “الاعجوبة الالمانية”. في ظل بيتان باعت نساء فرنسا أنفسهن للجزم الالمانية، وجاء ديغول فحررها وألغى الاصفار من الفرنك المرتعش، وأقام أحد أفضل الانظمة الضامنة في العالم. ليس الثلث الضامن، ولا الربع ولا النصف، بل الضمان الصحي والمادي.

سلَّم مسألة الكرامة للجيش، أما الاقتصاد فإلى عباقرة المال. عندما سئل فاليري جيسكار- ديستان عن أهم رؤساء الحكومات، أجاب من دون تردد، ريمون بار. استاذ الاقتصاد. وزير اقتصاد الجمهورية القوية السابق تحدث عن الانتصار في ثلاث قضايا: خفض عدد ارغفة ربطة الخبز. خفض وزنها. واخيراً خفض وزن غلافها البلاستيكي. ارهارد على ريمون بار على لي كوان يو. مبروك مجيئكم ومبروك جداً ذهابكم. يحار اللبناني الباحث عن رغيف وضوء وبنزين ومياه وعمل، كيف يشكر الحكومة الالمعية ومؤلفها ومؤلف مؤلفها.

لا يهم ابداً الطريقة التي زفّت بها الحكومة الجديدة الى الناس. وزير الشؤون الجديد أكثر صراحة مع وضع الاقتصاد. الخلاص بالاستغناء عن الحفاضات كخطوة اولى. الثانية الغاء اللوازم الشهرية للنساء. وكان القذافي قد أفتى بأنهن غير صالحات للحكم لأن المرأة تحيض، الرجل لا يحيض. وسبق ذلك قوله الرهيب، الرجل ذكر والمرأة أنثى. وفاته في عظمته العلمية النوع الثالث، لا ذكر ولا أنثى.

يتعاطف المرء مع الرئيس ميقاتي، فهو رجل محترم عاقل اداري. وليس ذنبه من اختير له أو فُرض عليه بعد 13 شهراً من المماحكة المعلّة والصبيانيات المملّة. وليس ذنبه انحطاط العمل السياسي، الى درجة انه أصبح سلاح تهجير اسوأ من الحرب. التهجير بالتكشير والتحقير وازدراء مشاعر الناس وكراماتها، وسرقة اعمارها واللون من حياتها، وبعدها تمْنين اللبناني بحكومة مشروعها الإنقاذي الغاء الحفاضات، لأن الفكر الاقتصادي يبدأ بأقفية الاطفال. ألا ترى ايها الرب إلهنا ان الوضع يستدعي حضورك السماوي، بعدما حلّ بالأرض ما قد حل؟ اللهم نجّنا مما قد يحل. أيعقل ان يتحول اقتصاد بلد مثل هذا البلد الى بلاستيك الخبز وبلاستيك الحفاضات معاً، وإعاشة 25 دولاراً في الشهر للعائلة المستحقة؟

يقول المؤرخ البريطاني نيال فيرغسون ان كل مجاعة حدثت في الأرض كانت من صنع الإنسان وخبثِ الادارة أو سوئها. الكارثة الطبيعية غير الكارثة الاقتصادية. الجراد الذي مسحنا العام 1914 وجعل المرأة تسافر تلك الايام بمفردها الى اميركا، هو غير الجراد السافل الذي بدأ يدفع النساء اليوم الى اسوأ مذلات الحياة. ألم ينتبه احد الى ان الوباء العابر كان أرحم بنا من الوباء المقيم؟ ثم انه آت من الخارج وليس كالعلق المحلي، شر كله. صدر كتاب جديد عن رومانيا، هل تعرف بماذا يبدأ؟ بقصة الكونت دراكولا، مصاص الدماء. الشعوب لا تنسى.

لا نعرف ما هو قول الدستور في المسألة الحفاضية. لكن الطريقة التي زفّت بها الحكومة الى الناس، مؤثّرة حقاً. القصر الجمهوري “يعرب”، كالعادة، عن قرب اعلانها، ورئيسها يطير الى القصر ملوّحاً باللائحة، مُشهداً العالم اجمع على ذلك، قبل ان يغير الرجل الذي لا يريد شيئاً في اعالي البترون، رأيه في سعادة لبنان وسيادته وسلامة اراضيه.

برغم ذلك، حصل شيء من تفاؤل. الوزارة ليست كلها اطباء اسنان. في الماضي كان يمثل النقابة الدكتور نبيل نقولا، الذي دخل التاريخ من ابواب كثيرة، أشهرها باب وسط بيروت، الذي وقف عنده يعلن ان الاعتصام الذي انتهى، كان انتصاراً للعروبة.

ومنذ ذلك الوقت والعروبة تتمشى وحيدة هناك. حتى البرلمان هجرها الى الاونيسكو. وكل ما فيها أغلق، أو هجّر، أو كسر. لكن الدكتور انتصر. كمثل سائر الانتصارات التي امتدت من ساحة الشهداء الى ان صارت كل ساحة شهيدة، وكل مكان مقفر. وما بقي سوى الاعتصام بالله مع الرئيس بري، ونحن في ذلك ايضاً لمعتصمون. ولطالما وثقنا بحكمة قراراته. مختاراً أو مكرهاً. رابحاً أو خاسراً، والربح ليس دائماً في الفوز، بل ايضاً في الخيار. والحرب على نبيه بري، كانت جزءاً من تسخيف العمل السياسي والوطني والقومي في لبنان. العمالقة لا يخسرون ولا يربحون. فقط يعقلون ويتوكّلون. ونِعم الوكيل.