العلاقة المتكافئة مع سوريا حاجة لبنانية… لا علاقة الماضي

سركيس نعوم – النهار

ربما يفضّل ال#لبنانيون المعادون ل#سوريا الأسد انتظار نهاية حروبها سواء بهزيمة لها أو بتسوية تضعف دورها في نظام جديد يكون لأبنائها الذين حاربوه وخسروا في النهاية جرّاء تدخّل إيران و”#حزب الله” وروسيا دورٌ أساسيٌ ومهم. دافعهم الى ذلك هو الاعتقاد أن شركاء حكم الأسد الذي لم يقبل يوماً شريكاً سوف يكونون متفهمين للمطالب اللبنانية ومستعدين للتوصل الى حلول للمشكلات بين البلدين تحفظ حقوقهما كاملة. قطعاً يفضّل اللبنانيون المتحالفون مع سوريا الأسد تسوية معها اليوم بعدما رتّبت أوضاعها الى حد معقول، إذ من شأنها تكريس تفوّقهم داخل بلادهم على الآخرين وتمكينهم من إقامة نظام تكون لهم فيه الكلمة الأولى والأخيرة.




لكن اللبنانيين العقلاء والحكماء الذين يعرفون بعمق تاريخ البلدين الجارين والشقيقين والمراحل التي مرّا بها يقولون إن لبنانيي الفريقين المشار إليهما أعلاه مخطئون في الكثير من تصوراتهم وطموحاتهم وأحلامهم. ذلك أن لسوريا، ذات “الحكم الديموقراطي” بعد استقلالها ثم سوريا الحكم العسكري، وسوريا الناصرية والوحدة العربية، وسوريا البعث وأخيراً سوريا الراحل حافظ الأسد ونجله بشار، مواقف متشابهة من لبنان وربما تكون واحدة. فهي اعتبرته دائماً جزءاً منها وتراوح طموحها بين استعادته جغرافياً أو سياسياً أو السيطرة عليه وإدارة شؤونه بواسطة أبنائه مستفيدة من عدم استقرار مزمن فيه وحروب دائمة بين أبنائه. هذه حقيقة برهنتها أحداث كثيرة منذ استقلال الدولتين حتى اليوم.

طبعاً صار اللبنانيون مقتنعين بأن سوريا قضاء وقدر لهم، وبأن تسوية مشكلاتهم وخلافاتهم معها في مصلحة الاثنين. لكن ترجمة اقتناعهم عملاً ملموساً يحتاج الى وقت والى نية صادقة من المسؤولين في كلٍ من بيروت ودمشق أياً كانوا. كما يحتاج الى إعداد لبنان نفسه جيداً انطلاقاً من الحاضر ومع العودة الى الماضي كي يبدأ مفاوضات جدّية معها تنهي الخلافات والعداوات، وتؤسّس فعلياً لعلاقة عميقة وجدّية تؤمّن المصالح الوطنية للدولتين. في هذا الإطار يستطيع لبنان وفي هذه المرحلة بالذات أن يجعل من مزارع شبعا المحتلة من إسرائيل نقطة انطلاق للبحث المنتج. فاللبنانيون يؤكدّون أنها جزءاً من أرضهم والمجتمع الدولي يعتبرها ومعه إسرائيل أرضاً سورية. وسوريا الأسد طبعاً تعتبرها سورية لكن مصلحتها تفرض إبقاء الغموض يلفّ هذا الموضوع كي تبقى للمقاومة الإسلامية في لبنان وغيرها حجّة لاستمرار العمل العسكري لتحريرها، وتالياً الإفادة من ذلك للضغط على إسرائيل بغية استعادة سوريا أراضٍ احتلتها إسرائيل عام 1967. طبعاً لن تبادر سوريا اليوم الى حسم هوية مزارع شبعا. لكن طرح الموضوع هو لدفع اللبنانيين الى تحديد موقفهم من سوريا. وهو يجب أن يكون مؤيّداً لعلاقة ثابتة معها تخدم استقلال الدولتين وسيادة كلّ منهما وخياراتهما الداخلية والخارجية على أن لا تكون مؤذية لها. وهو يجب أيضاً أن يكون مع قوننة العلاقة بمعاهدة، وقد تمّ ذلك بعد تطبيق سوريا بعض اتفاق الطائف عام 1989. لكن “معاهدة الأخوّة والتعاون والتنسيق” عكست في حينه ميزان القوى المختل لمصلحة سوريا. والمصلحة اللبنانية كما مصلحة العلاقة الأخوية الجيّدة والدائمة مع سوريا تقتضي مبادرة بيروت ودمشق ليس الى إلغائها بل الى تفعيلها ولكن بعد جعلها متوازنة ومؤمّنة فعلاً للمصالح المتساوية للدولتين كما بعد جعل الاتفاقات الثنائية الكثيرة التي انبثقت عنها متوازنة بدورها. الى ذلك كله لا بد من لفت القوى الفاعلة في البلاد ذات النفوذ الأقوى داخلها الى أن مصلحتها لا تكمن فقط في استمرار تحالفها مع سوريا الأسد، وفي قبول ترك الحدود بين البلدين مفتوحة انطلاقاً من الثقة الكبيرة بينهما، ومن أن ما يجمعهما أهمّ وبكثير من الذي يفرّقهما. بل تكمن في أمور عدّة أهمها ترسيم الحدود البرية بين لبنان وسوريا وعدم إبقائها مفتوحة للثانية. وهذه حال لا يُسأل عنها الممسكون بلبنان اليوم بل الذين حكموا لبنان منذ الاستقلال حتى 1975، وأطراف الحرب التي نشبت فيه بعد ذلك التاريخ. يُمكن القول أن الفوضى والتسيّب الحدودييْن قبل الحرب وسيطرة سوريا على حدود لبنان ساهما في إشعال نار الحرب بين شعوبه التي تدخّل فيها فلسطينيون وسوريون وجهات أخرى كثيرة كانت إسرائيل العدوّة واحدة منها. في هذا المجال تجدر الإشارة الى أن الدعوة الى ترسيم الحدود بين الدولتين الشقيقتين ودعوة لبنان الى السيطرة على حدوده وسوريا الى عدم انتهاكها لا يحترم فقط سيادة الدولتين، بل يحمي استقرارهما وفي الدرجة الأولى استقرار لبنان. ذلك أن على المسيطرين في لبنان اليوم أن يعرفوا أن سوريا وبعد سنوات طويلة من انتهاء حربها ستعود غالبية النازحين من أبنائها إليها وقد تكون لهم كلمة مسموعة في بلادهم. وهؤلاء لم ينسوا دور اللبنانيين المُشار إليهم في محنتهم التي أدّت الى تهجيرهم. والحدود الفالتة تشجّع على نمو فكر الإنتقام. فهل لهؤلاء اللبنانيين مصلحة في ذلك؟ طبعاً لا. إذ أن مصلحة كل الأطراف وخصوصاً المؤمنين بلبنان وطناً نهائياً أن يحموه ومثلما حمى ولا يزال يحمي فريق لبناني قوي جداً حدود لبنان مع إسرائيل ومنها عليه أن يتعاون مع اللبنانيين الآخرين كما مع الجيش اللبناني لحماية الحدود مع سوريا وحتى منها. وبذلك فهو يدافع عنها كما عن بلاده لبنان.

في النهاية قد يعتبر البعض هذا الكلام تنظيراً في غير محله أو ربما سابقاً لأوانه. لكنه ليس كذلك. فترسيم الحدود البحرية والبرية مع إسرائيل ملحّ ومطلوب. ويجب أن يكون ترسيم الحدود البحرية والبرية مع سوريا ملحّ ومطلوب. ولا بد من ذلك ولا يرمي ذلك الى التسبّب بضرب “تحالف سوري – لبناني” قائم. بل يرمي الى جعل التحالف متكافئاً. إلّا إذا كان الطرف اللبناني الأقوى لا يمانع في حال عودة نظام الأسد الى كل سوريا في عودته الى لبنان أيضاً. وهذا احتمال لا يستطيع أحد أن يؤكد أنه غير جدّي. كما لا يستطيع حلفاؤه اللبنانيون أن يقولوا: لماذا عودته مباشرة الى لبنان، فنحن نؤمّن مصالحه ونحميها فيه. فالسياسة لا أمان فيها ولا صداقات بل مصالح.