الكهرباء والغاز للبنان ولكن سوريا هي المستفيدة

احتفلت الأطراف السياسية في لبنان والحكومة السورية بخطة لضخ الغاز المصري إلى لبنان، ووصفت تلك الخطة بأنها انتصار على أعدائهما الإمبرياليين، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة. لكن تلك الخطة، كانت في الواقع، منتجا أميركيا مصمما كإجراء “لإدارة الأزمات”، من أجل المساعدة في التخفيف من آثار انهيار لبنان.

ولبنان الواقع تحت سيطرة الميليشيا العسكرية والتي بدورها أشعلت حروبا إقليمية لا نهاية لها، مما أدى إلى إجهاض النمو الاقتصادي للبلد، والذي ترتب عليه نفاد المخزون من العملات الأجنبية، وبالتالي تضاءلت واردات البلد من السلع الأساسية، بما في ذلك الوقود، إلى مستوى كارثي.




ودون وقود، أصبح انقطاع التيار الكهربائي جزءا من حياة الشعب اللبناني، حيث تحصل المنازل اللبنانية الآن على حوالي ساعتين من الكهرباء يوميا، مما يزيد من اعتماد الأسر على المولدات الكهربائية الصغيرة، ولكن يتعين عليها أيضا البحث عن “دولارات جديدة” لشراء الديزل، بينما يقوم عملاؤهم بتسوية فواتيرهم بالعملة الوطنية التي تتدهور بصورة مستمرة، وأصبح من المتعذر الحصول على الدولارات والديزل.

ويهدد انقطاع الكهرباء وندرة الديزل عمل قطاعات اقتصادية مهمة، بما في ذلك الرعاية الصحية، وقد أصدرت الجامعة الأميركية في بيروت، التي يعمل مستشفاها دون انقطاع منذ عام 1860، بيانا في شهر أغسطس الماضي، شديد اللهجة طالبت فيه بالمساعدة، حيث قال المستشفى إنه سيتعين عليه إطفاء المعدات الطبية الحيوية، في حال انقطاع الكهرباء أو عدم توفر الديزل، مما قد يتسبب في وفاة حوالي 100 مريض في غضون أيام.

وربما كان ذلك النداء الذي أطلقه المستشفى هو ما دفع السفارة الأميركية في بيروت إلى العمل على خطة تتعلق باستيراد الغاز من مصر والكهرباء المنتجة في الأردن بالغاز المصري، لتلافي كارثة وشيكة، وقد اتصلت السفيرة دوروثي شيا بالرئيس ميشال عون لتخبره بأن لدى بلدها خطة، وبدوره أعلن عون بكل فخر أن أزمة الكهرباء على وشك الانتهاء.

وفي حين أن التفاصيل لا تزال شحيحة، فإن المخطط الأساسي للخطة هو إحياء “خط الأنابيب العربي” الذي شهد ضخ مصر للغاز إلى لبنان عبر الأردن بين عامي 2008 و2010. وبحسب رئيس الوزراء السابق فؤاد السنيورة، فقد تلقت سوريا الغاز المصري في الجنوب، وزودت لبنان من احتياطاتها في الشمال. ومن بين العشرات من محطات الطاقة في لبنان، لا تعمل سوى ثلاث بالغاز، وتقع جميعها في بلدة دير عمار الشمالية ويمكن أن تنتج ما مجموعه 435 ميغاواط من الطاقة.

وقالت السفيرة شيا إن واشنطن ستسهل المدفوعات لمصر، نيابة عن لبنان، من خلال استخدام أموال مساعدات البنك الدولي المخصصة للبنان. وفي المتوسط​​، يكلف إنتاج ميغاواط واحد من الكهرباء عن طريق الغاز 50 دولارا في الساعة، وإذا عملت محطات دير عمار على مدار 24 ساعة، فإن فاتورة الغاز اللبناني من مصر ستصل إلى ما يقرب من 200 مليون دولار في السنة.

لكن 435 ميغاواط بالكاد تغطي احتياجات لبنان من الكهرباء، ويقدر الطلب في ساعة الذروة بأكثر من 3000 ميغاواط. وبالتالي، فإن دير عمار لن يغطي سوى 15 في المئة من احتياجات لبنان، أو ما يعادل ثلاث ساعات ونصف الساعة من الإمداد بالكهرباء اليومية، ولا يُعد ذلك انتصارا حقيقيا لحاكم البلاد، حزب الله أو لمن يحميه، عون. ولكن هذا الخيار أفضل من خيار الناقلة المليئة بالوقود الإيراني المفترض أنها كانت متجهة إلى محطات توليد الكهرباء اللبنانية، وإلى متى سيستمر ذلك النفط؟ وكلا الخيارين صعب على حزب الله.

وإذا تم تنفيذ الخطة، فسينتج لبنان الكهرباء ليغطي احتياجات قطاعاته الحيوية، مثل المستشفيات، وستحتل المرافق العامة المرتبة الثانية، مثل المطار، وأخيرا قد تحصل الأسر على ساعة أو ساعتين إضافيتين من الطاقة بالإضافة لما يتلقونه الآن، وستستمر معاناة اللبنانيين بسبب انقطاع التيار الكهربائي، لكن السفارة الأميركية ستتجنب على الأقل إغلاق المستشفيات.

ولا تزال الخطة الأميركية لكهرباء لبنان تواجه عدة صعوبات، بادئ ذي بدء يجب أن يمر ذلك الغاز عبر الأراضي السورية، مما يعطي الحكومة السورية جزءا من السيطرة على سير العملية. ويبدو أن خطط إنتاج الكهرباء الأردنية قد تم استبعادها الآن، لكن حتى تلك الكهرباء كان يجب أن تمر عبر الأراضي السورية أيضا، والسبب في كونها مجرد احتمال “مستقبلي”، كما قال وزير الطاقة اللبناني، هو أن الشبكة السورية بحاجة إلى إصلاح.

ولكن سوريا ترضخ لعقوبات أميركية مفروضة على نظام بشار الأسد، وهذا يعني أن الخطة الأميركية تتطلب من البيت الأبيض تقديم إعفاء من الكونغرس لتعليق أجزاء من قانون قيصر الذي يفرض تلك العقوبات، وفي زيارته الأخيرة لبيروت قال السناتور كريس فان هولين إنه وعدد من زملائه يعملون على إيجاد طريق للسماح للغاز المصري بالمرور عبر الأراضي السورية.

وقد أعرب مسؤولون سوريون عن استعدادهم لتسهيل الخطة الأميركية، حتى لو لم تحصل دمشق على أي عائد منها. وتمنح تلك الخطة الأسد الاعتراف الإقليمي والعالمي الذي طالما تمناه، وبمجرد أن تبدأ الأنابيب في الضخ، سيكون للعالم مصلحة واضحة في إبقاء الأسد في السلطة. وعلى مدى نصف القرن الماضي، أتقن النظام فن “الظهور في صورة الطرف المفيد” للقوى العالمية، متوقعا رد الجميل منهم.

ولمساعدة لبنان في أزمة الكهرباء، سيتعين على واشنطن منح الأسد شيئا من الاعتراف والاهتمام، وهو ثمن يبدو أن إدارة بايدن مستعدة لدفعه، وستعمل الخطة الأميركية على تحسين وضع الكهرباء في لبنان وهو تحسين بسيط. ولكنها ستفيد نظام الأسد فائدة لا يمكن قياسها.

العرب