لا نملك عصا سحرية أولى رسائل الحكومة اللبنانية الجديدة

استهل رئيس الحكومة اللبنانية نجيب ميقاتي مهامه التي بدأها الاثنين بموجة من التشاؤم الممزوجة بالتفاؤل الحذر، في وقت ينتظر فيه اللبنانيون حلولا لأزمتي الوقود والدواء بشكل عاجل ووقف الانهيار الاقتصادي الذي تعاني منه البلاد بشكل أقل إلحاحا.

وقال ميقاتي خلال الجلسة الافتتاحية للحكومة الجديدة في قصر الرئاسة شرقي العاصمة بيروت بحضور الرئيس ميشال عون إن حكومته “لا تملك عصا سحرية” وينتظرها “الكثير من العمل”.




وأضاف “الوضع صعب للغاية، ولكن بالإرادة الصلبة والتصميم والعزم والتخطيط نستطيع جميعا كفريق عمل واحد أن نحقق لشعبنا الصابر والمتألم بعضا مما يأمله ويتمناه”.

وتعهد ميقاتي بأن يعمل جاهدا لحل أزمات الوقود والدواء اللذين تقلصت إمداداتهما مع انخفاض احتياطات العملة الأجنبية في البلاد التي تعتمد بشكل كبير على الواردات، إلا أن مراقبين يشككون في القدرة السريعة على تحقيق ذلك.

وفي وقت يأمل اللبنانيون أن تتمكن الحكومة الجديدة أخيرا من رسم طريق للخروج ببلادهم من الأزمة التي شهدت تراجع قيمة العملة بنحو 90 في المئة منذ أواخر 2019 ودفعت بثلاثة أرباع السكان إلى الفقر، تبدو أهداف الحكومة مغايرة لأولوياتهم.

وتهدف الحكومة بشكل أساسي، وفق ميقاتي، إلى تنشيط مسار التفاوض مع ممثلي صندوق النقد الدولي أملا في الحصول على مساعدات مالية عاجلة، وذلك بعد الاتفاق على خطّة طريق اقتصادية مالية إصلاحية.

ويرى مراقبون أن النجاح في هذا المسار غير مرتبط بخيارات الحكومة بقدر ما هو مرتبط بقرارات سياسية من الدول الكبرى بشأن لبنان.

وأما المهمة الثانية الرئيسة للحكومة فتتمثل في إعادة هيكلة القطاع الحكومي بكامل مؤسساته، والبدء بإجراءات ملموسة لوقف الهدر ومكافحة الفساد، وإعادة جدولة ديون لبنان والعمل على موازنة الواردات مع المصاريف لإعادة التوازن إلى المالية العمومية.

ويرى محللون أن هذه الإصلاحات عرضة للفشل بسبب ضيق الوقت، حيث أنّ الفترة الزمنيّة المُتاحة لعمل الحكومة الجديدة مَحدودة وتنتهي الربيع القادم، وكذلك بسبب ارتباط الإصلاحات بتوازنات سياسيّة داخليّة وباعتبارات طائفية حساسة.

وعلى الرغم من أهمية الأهداف الرئيسية المرسومة فإن أولويات اللبنانيين مغايرة لأهداف الحكومة.

ويريد اللبنانيون حلولا فورية لأزمات الكهرباء والبنزين والمازوت واستفحال الغلاء وتراجع القُدرة الشرائية وعدم القدرة على تسديد أقساط الدراسة لأبنائهم.

وتستوجب كل هذه المطالب العاجلة فترة زمنية ليست بالقصيرة من أجل الاستجابة ولو جزئيا لها وهو ما لا يتوفر في حكومة ميقاتي التي ورثت أزمات متراكمة يصعب حلها بشكل عاجل.

ويرى مراقبون أن أقصى ما باستطاعة الحكومة اللبنانية الجديدة في علاقة بانتظارات اللبنانيين هو المحافظة على الوضع القائم وعدم تدحرجه إلى الأسوأ، وهو ما يعكسه تصريح ميقاتي بأنه لا يملك عصا سحرية وأنه لا بد من التضحية.

ويشهد لبنان منذ أشهر أزمة محروقات حادة وشحاً في الأدوية. وشرعت السلطات منذ أشهر في رفع الدعم تدريجيا عن سلع رئيسية أبرزها الطحين والوقود والأدوية. لكن ذلك لم يخفف من الأزمات، فلا تزال أدوية كثيرة غير متوفرة، ولا يزال السكان ينتظرون في طوابير لساعات طويلة لتعبئة سياراتهم بالبنزين.

وأعلنت نقابة أصحاب المحطات الأحد أن أكثر من 90 في المئة من المحطات أقفلت أبوابها “بسبب عدم تسلمها المحروقات من الشركات المستوردة بسبب نفاد الكمية وعدم فتح مصرف لبنان اعتمادات مصرفية جديدة” للدفع للشركات المستوردة.

وأعلنت وزارة المالية الإثنين أن لبنان تبلّغ من صندوق النقد الدولي أنه سيتسلم في السادس عشر من الشهر الحالي حوالي مليار و135 مليون دولار أميركي بدل حقوق السحب الخاصة على أن تودع في حساب مصرف لبنان، الذي يحذر من نضوب احتياطي الدولار لديه.

ووافق صندوق النقد الدولي الشهر الماضي على منح دوله الأعضاء حقوق السحب الخاصة بما يتناسب مع حصتها لديه، ما سيسمح بزيادة المساعدات للدول الأكثر ضعفاً، بهدف دعم الاقتصاد العالمي الذي أرهقه تفشي وباء كوفيد – 19.

وحقوق السحب الخاصة ليست عملة وليس لها وجود مادي، بل تستند قيمتها إلى سلة من خمس عملات دولية رئيسية هي الدولار واليورو والجنيه الإسترليني والرينمينبي أو اليوان والين. ويمكن استخدامها بمجرد إصدارها كعملة احتياطية تعمل على استقرار قيمة العملة المحلية أو تحويلها إلى عملات أقوى لتمويل الاستثمارات.

وكانت المحادثات بين لبنان وصندوق النقد الدولي قد انهارت الصيف الماضي مع تنازع السياسيين والبنوك بشأن نطاق الخسائر الفادحة المدرجة في خطة التعافي المالي الحكومية التي أيدها الصندوق.

وأخفقت الحكومة السابقة في تنفيذ إصلاحات هيكلية يطالب بها المانحون منذ سنوات بما يشمل إجراءات للتصدي للفساد والهدر.

ورغم جرعة الدعم التي قدمها صندوق النقد الدولي تزامنا مع تسلم الحكومة الجديدة مهامها، لا شيء يوحي بأن حكومة ميقاتي ستنقذ لبنان.