المُقارَبة الأميركية المستجَدّة حِيال سورية – د. خطار أبودياب – نداء بوست

دفعت المتغيرات من أفغانستان إلى جنوب سورية ولبنان، إلى تكوين الانطباع عن حصول تغيير في السياسات الأميركية تجاه الشرق الأوسط وتحديداً عن تعديل في مقاربة واشنطن إزاء دمشق. بيد أن عدم بلورة تفاهم “أميركي- روسي”، واستمرار الضغط الإسرائيلي حيال الوجود الإيراني، وعدم قدرة إدارة بايدن على التملص من قانون قيصر والعقوبات التي أقرها الكونغرس، تدفع للاعتقاد أن المقاربة الأميركية المستجدة تكتيكية ولن يكون هناك تغيير أميركي دراماتيكي إزاء المسألة السورية.

توالت في الفترة الأخيرة أحداث ومعطيات يمكن أن تؤشر إلى بلورة سياسة سورية جديدة للولايات المتحدة الأميركية: الانسحاب الأميركي من أفغانستان (والحديث عن انسحاب مماثل من العراق وسورية) ؛ الاندفاعة الأردنية للتطبيع مع دمشق وموافقة واشنطن على خطّة لمساعدة لبنان بالحصول على الكهرباء من خلال استجرار الغاز المصري والكهرباء من الأردن عبر سورية. إلا أن الإدارة الأميركية من خلال تصريحات مسؤوليها، سرعان ما أكدت عدم الاستعداد للتطبيع مع دمشق قبل قبول النظام السوري “الحل السياسي” حسب القرار الأممي ٢٢٥٤، وعدة خطوات ملموسة حيال الوجود الإيراني واللاجئين و”قسد” و”المعارضة في شمال غرب سورية”.




على مدى العقد الماضي، تدهور الوضع في سورية التي تحولت إلى مسرحِ واحدةٍ من أخطر الصراعات في المنطقة إلى جانب أفغانستان. وفي الوقت نفسه، فإن تعزيز الوجود الإيراني في سورية يزيد من ضرورة قيام دور أكثر فاعلية لواشنطن في سورية. عملياً، على الرغم من وجود وقف فعلي لإطلاق النار في معظم أنحاء سورية في الوقت الحالي، إلا أن وجود قوات من خمس دول خارجية (روسيا، وإيران، والولايات المتحدة، وتركيا، وإسرائيل) تشير إلى أن الاستقرار الفعلي يبقى بعيد المنال مع توزع مناطق النفوذ أو الأمر الواقع. بالرغم من ذلك بدت إدارة بايدن مربكة وسلبية حيال الانخراط في الملف السوري وزاد ذلك الشكوك حول قرب الانسحاب الأميركي والتسليم بتعاون مع روسيا.

لصياغة تسوية حول الوضع السوري. إذا عدنا إلى قمة “بايدن – بوتين” في ١٢ يونيو الماضي، كان الوضع السوري على بساط البحث، وتم الحديث عن توافق مبدئي بين واشنطن وموسكو على التنسيق في سورية والعمل على “احتواء إيران”. ثم أتت زيارة العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني إلى واشنطن في ١٩ يوليو الماضي، واقتراحه ترتيب حل عربي لسورية من خلال روسيا وبدعم أميركي. وكان الهدف الوصول إلى حل يمهد لعودة سورية إلى “النظام العربي الرسمي” وتقليص النفوذ الإيراني وانتعاش الاقتصاد الأردني ودور عمان الإقليمي.

كل الدول لها تأثير كبير في التسوية المقترحة.

تنطلق فرضيات المقاربة الجديدة للوضع السوري من عدم القدرة (وعدم الرغبة) في تحقيق أهداف قصوى ضد نظام الأسد والدور الروسي. تبعاً لذلك، تقتضي المساومة المطروحة في مقابل التخفيف التدريجي للضغوط على الأسد، قبول دمشق وموسكو بتلبية مطالب الولايات المتحدة وتركيا (لا تزال تسيطران على ٣٠٪ من الأراضي السورية) وإسرائيل حول نزع السلاح الإستراتيجي الإيراني وتشجيع عودة اثنَيْ عشر مليون لاجئ ومشرد داخلياً (أي نصف السكان) . علاوة على ذلك، يمكن أن يؤدي سلوك الحكومة السورية الأفضل إلى إعادة دمج قوات المعارضة المسلحة بما في ذلك حليف واشنطن: “قوات سورية الديمقراطية” التي يقودها الأكراد، الأمر الذي من شأنه تهدئة مخاوف تركيا بشأن حزب العمال الكردستاني على حدودها. ويمكن بالطبع دمج هذه الحزمة بأكملها في عملية السلام التابعة للأمم المتحدة.

بيد أن الغريب في الأمر أن روسيا رفضت مقاربات مماثلة من قبل، ودلت وقائع وخُلاصات معركة درعا على تشدد روسي وعلى تنسيق “روسي- إيراني” بالرغم من كل الإيحاءات المعاكسة، وأتت تصريحات سيرغي لافروف الأخيرة بعد لقائه نظيره الإسرائيلي لتقطع الشك باليقين وعدم استعجال موسكو لأي ترتيب في سورية لا يضمن تحويل إنجازها العسكري إلى إنجازين سياسي واقتصادي (تكريس حاسم لحكم منظومة الأسد وإعادة الإعمار) . وهكذا مقابل عدم تنازل موسكو عن هدفها الأقصى، لن تتنازل الولايات المتحدة وحلفاؤها عن الضغوطات. ومن هنا إذا لم تساوم موسكو فستكون مضطرة لانتظار إدارة إميركية أخرى بعد ٣ سنوات مع اكتفاء واشنطن بتخفيف محدود للضغط عبر قبول إيصال الغاز المصري إلى سورية ضمن ترتيب استجرار الطاقة نحو لبنان (اعتماد استثناء لقانون قيصر).

لا يمكن لأي مقاربة جديدة لواشنطن تغليب أهدافها المباشرة في سورية (محاربة داعش والمساعدات الإنسانية) على حساب تجاهل مصالح إسرائيل وعدم مراعاة مصالح تركيا وقوات سورية الديمقراطية والأردن ودول عربية أخرى.

وللتأكيد على أن المقاربة الأميركية المستجدة لا تحمل تغييراً جذرياً في المسألة السورية، حذر مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأوسط جوي هود “الدول الراغبة في تطبيع العلاقات مع نظام الأسد”. ووصل الأمر بهود للتهديد بفرض عقوبات على هذه الدول “وفق نظام قيصر”. ولوحظ بعد ذلك وعلى أبواب القمة العربية في الجزائر، إعلان أمين عامّ الجامعة عن تأجيل موضوع إعادة دمج دمشق مما يدلل على تفادي التناقض مع واشنطن.

تبقى المسألة السورية إستراتيجية وحيوية لكل الإقليم. ولذا كل انتصار حاسم وكامل لروسيا وإيران سيقوض صورة ودور الولايات المتحدة الأميركية خاصة أنه سيأتي في أعقاب الانسحاب من أفغانستان.