ميقاتي للوزراء: “بدنا شغل وإنتاجية”… وتحذير من استثمار التعيينات في الانتخابات

رضوان عقيل – النهار

عندما يلتقي اعضاء الحكومة برئاسة الرئيس نجيب ميقاتي لالتقاط الصورة التذكارية اليوم في حضور الرئيسين ميشال عون ونبيه بري، سيسأل الكثيرون منهم: كيف ولدت هذه التشكيلة في ظل الكباش الطويل على الاسماء والحقائب؟ وإذا كانت هناك جملة من العوامل الداخلية سرّعت عملية الولادة، إلا ان الخارج لم يكن بعيداً من هذا التدخل المباشر، ولا سيما من طرف الفرنسيين والخلية المستنفرة في الاليزيه الى درجة ان اعضاء فيها قطعوا اجازاتهم الصيفية لمواكبة التفاصيل الاخيرة التي سبقت صدور المراسيم، وبقيت السفيرة آن غريّو مستنفرة الى لحظة الاعلان عن التوليفة الحكومية.




وكان من الملاحظ ان باريس استعملت لغة ديبلوماسية شديدة اللهجة حيال المعنيين بتشكيل الحكومة، وتحديداً في اتجاه فريق رئيس الجمهورية. وفي المعلومات انها لوّحت برفع سيف العقوبات “عن جد” هذه المرة وتطبيقها ليس على الورق فحسب. ووصلت هذه الرسالة الساخنة الى كل من يعنيه الامر. واستفاد الفرنسيون من علاقتهم هنا التي لم تنقطع في الاصل مع إيران ورئيسها الجديد ابرهيم رئيسي. ولم تكن واشنطن بعيدة من التطور الايجابي الاخير الذي ساعد في تشكيل الحكومة، ولم تتدخل باريس في الاسماء لكنها في المقابل تستقبل بارتياح وزراء يحملون جنسيتها او درسوا في جامعاتها. ولن تقتصر مهمة الاليزيه عند هذه الحدود بل سيواكب عمل الحكومة والمؤتمرات المقبلة. وسيكون الفرنسيون باشراف من الرئيس ايمانويل ماكرون مفتاح #لبنان وحكومته الى صندوق النقد والمجتمع الدولي. واقدمت باريس بالفعل على التدخل لدى مسؤولين في البنك الدولي للعمل على تقليص المساعدات المالية والاغاثية التي يتلقاها لبنان في حال لم يتوصل الافرقاء فيه الى تشكيل حكومة وكان لهم ما ارادوا ولو لم تطبَّق مبادرتهم مئة في المئة على مستوى البنود التي اعدّها ماكرون لدى زيارتيه الى بيروت عقب تفجير المرفأ قبل أكثر من سنة.

وكان من الواضح ان الوزراء لم يأتوا الا من قلب الاحضان الحزبية والكتل النيابية حتى لو لبسوا لبوس الاختصاصيين. وبقيت عملية توزيع الحصص على حالها شأن الحكومات المتعاقبة. وبقيت حكومة 8 آذار وإنْ تبدلت الوجوه السنية فيها من رئيسها الى الوزراء الاربعة. وثمة خشية هنا من وضع دفتر شروط حزبية على الوزراء لعدم تكرار تجربة الوزير السابق ناصيف حتى الذي اختار الاستقالة بعدما وجد نفسه “مكبلا” في وزارة الخارجية.

وإذا كان أكثر الوزراء من اصحاب الشهادات العليا والاكاديمية، فهذا لا يكفي لأن التجارب اثبتت في حكومة حسان دياب وسواها ان الوزير إذا لم يتمتع بحسّ سياسي فلا يقدر على ادارة حقيبته او عملية التفاوض مع الجهات الدولية. ومن يدير وزارة الاقتصاد على سبيل المثال، لا تنفعه الارقام ولا تعينه الجداول والدراسات والقيام بالمهمات المطلوبة منه إذا لم يكن قادرا على تسويقها مع القائمين على صندوق النقد الدولي ومحاورتهم، فضلاً عن شعوره بمعاناة رب الاسرة الذي لا يستطيع ان يؤمّن الخبز لأسرته.

وينصبّ التعويل اليوم على ما يشدد عليه ميقاتي والاستفادة من قدراته السياسية وشبكة علاقاته العربية والدولية. وهو بدأ التحضير للبيان الوزاري والاستفادة من الوقت وعقد اجتماعاته في مقره في “بلاتينيوم” في عطلة نهاية الاسبوع مع عدد من الوزراء، وكانت #البطاقة التمويلية وكيفية التعاطي معها بحضور وزراء من الحكومة المستقيلة لاستكمال هذا المشروع الذي تنتظره شرائح كبيرة من المواطنين. وتم طرح مجموعة من الملاحظات على البطاقة المنتظرة وسيجري استكمالها في جلسات مجلس الوزراء بعد صدور البيان الوزاري والحصول على ثقة مجلس النواب. وخرج الوزراء الجدد الذين التقوا ميقاتي وبعضهم لم يكن على معرفة به سابقاً، بأن الرجل يريد الاستفادة من الوقت وعدم إهداره لأن عمر الحكومة قصير وتنتظرها جملة من المشاريع مع تشديده على ضرورة “الشغل والانتاجية”. وثمة توجه برز على لسان أكثر من وزير بينهم وزير البيئة ناصر ياسين بالعمل سريعاً على إطلاق البطاقة التمويلية، اضافة الى ضرورة توحيد سعر الصرف.

وقبل ثمانية أشهر من موعد الانتخابات النيابية، ثمة من يعتقد انه لا بد من التواضع فيما يمكن ان تحققه الحكومة قبل هذا التاريخ، لكن هذا الامر لا يعفيها من توفير حلول سريعة على مستوى معيشة المواطنين واطمئنانهم قدر الامكان الى مستقبلهم المهدد إذا استمر السير في مسلسل الانهيارات هذا. وإذا كان موضوع الاصلاحات وكيفية التعاطي مع صندوق النقد من الاساسيات في اجندة الحكومة، فثمة فرصة امامها يمكنها ان تحققها اذا تعاون المنضوون في صفوفها والاستفادة من موقع الرئيس ميقاتي وعلاقاته مع الخارج ليساهموا معا في انقاذ البلد والتمكن من تسيير عجلاته الاقتصادية والانتاجية المشلولة لأكثر من سبب. وإذا نجح المعنيون هنا يمكنهم استثمار هذا الامر في الانتخابات النيابية ومقابلة قواعد االناخبين بمشاريع وانجازات تحد من معاناة المواطنين وتلبي جزءا من طموحاتهم. وثمة من يحذر هنا من اغراق جلسات مجلس الوزراء في ملف التعيينات في الفئة الاولى والاستفادة من هذا الامر في الانتخابات النيابية، ولا سيما من طرف رئيس تكتل “لبنان القوي” جبران باسيل الذي نجح في “السيطرة” على عدد لا بأس به من الوزراء المسيحيين، فكيف الحال مع المديرين العامين، مع الدعوة هنا الى عدم الافراط في التعيينات الا في المواقع الشاغرة والضرورية. وثمة من يذكّر باسيل بأنه في حكومة الرئيس تمام سلام تصدى للتعيينات بحجة ترك هذا الامر الى حين اجراء الانتخابات الرئاسية وكان له ما أراد. وتنبع مكامن هذه الخشية اليوم من تقديم جوائز ترضية لجهات مسيحية فاعلة ومؤثرة في الانتخابات النيابية من خلال الاستفادة اليوم من هذه التعيينات.

ويبقى ان ليس من الضرورة ان يكون قدر هذه الحكومة الفشل إذا صدقت النيات وابتعدت مكوناتها عن المناكفات وركزت على الانتاج ومعرفة كيفية الوصول الى حقيقة معاناة المواطنين.