هل لبنان “الشعوب” مُستعدٌّ لاستعادة علاقته بسوريا الأسد؟

سركيس نعوم – النهار

أرسلت حكومة الرئيس حسان دياب قبل استقالتها وبعد تحوُّلها حكومة تصريف أعمال لمدّة سنة وبضعة أسابيع موفداً وزاريّاً إلى دمشق وإن مرّات قليلة من أجل طلب مساعدتها لتذليل صعوبات تعترض عدداً من القطاعات ال#لبنانيّة وفي مقدَّمها قطاع التصدير إلى الدول العربيّة. طبعاً لم ترفض الحكومة السوريّة تقديم المساعدة المطلوبة لكنّها أرفقتها بشروط عدَّة غير سياسيّة رسميّاً بعضها صعب. ساعدها في ذلك حلفائها اللبنانيّون بحملات إعلاميّة وسياسيّة تطلب من دولتهم رئاسة جمهوريّة وحكومة ومجلس نوّاب عودة العلاقة الطبيعيّة بين الدولتين الشقيقتين. صار هؤلاء كلَّما واجهت لبنان مشكلة يرفعون الصوت ويقولون لمُواطنيهم وللجهات السياسيّة والحزبيّة التي ينتمون إليها: “ما قُلنا لكم أنّ لبنان يحتاج إلى #سوريا وأنّ مصلحته تقتضي “تطبيعاً” كاملاً للعلاقة معها أو بالأحرى استعادة العلاقة التي كانت بين الدولتين قبل خروج سوريا “مكسورة” الأسد من لبنان عام 2005″. وأخيراً أضافوا وبعد تكرُّس فشل الدولة وانهيار مؤسَّساتها المتنوِّعة باستثناء الأمنيّة والعسكريّة منها، ومعها القطاع المصرفيّ والعملة الوطنيّة والاقتصاد وانقطاع الكهرباء والدواء وانتهاز المُحتكرين من أصحاب الأوزان الكبيرة والمتوسَّطة والصغيرة المحميِّين من طبقة سياسيّة لم يشهد لبنان قبل 75 طبقة سياسيّة بفسادها كلّ ذلك، أضافوا لوماً إلى الذين يُعارضون عودة العلاقة الطبيعيّة والأخويّة بقولهم لهم: “صار إلنا زمان ندعو إلى هذا الأمر لكنَّ أحداً لم يصغِ إلينا”. وبرعت الأذرع الإعلاميّة المُنظَّمة وغير المُنظَّمة في استعمال وسائل التواصل الاجتماعي والتلفزيونات والصحف ترويجاً لهذه “البروباغاندا”. لكن ما تجدر الإشارة إليه هنا هو أنّ الاستجابة الرسميّة الفعليّة الأخيرة لكلّ الدعوات المُشار إليها أعلاه كانت الوحيدة التي تُؤشِّر إلى قرار عند رئيس الدولة وحلفائه بضرورة الانتقال بعلاقته مع سوريا من المستوى المخابراتي في الشكل وليس في المضمون أي بالموافقة على عودة الاتّصال المؤسّساتي بين الدولتين الشقيقتين وعدم الاكتفاء بحصره في مستشارين له وأصدقاء. ما تجدر الإشارة إليه أيضاً هو أنَّ الحكومة التي تألَّفت يوم الجمعة الماضي ستُبادر وبعد استكمال الإجراءات التي تُمكِّنها من بدء ممارسة صلاحيّاتها مثل نيل الثقة على أساس بيان وزاريّ يأمل اللبنانيّون المقهورون في أن ألّا يحتاج إلى وقت طويل لوضعه ووقت أطول إلى تنفيذه، ستُبادر على ما وعد رئيسها في كلمته أمام إعلاميّي قصر بعبدا بعد صدور مرسوم التأليف وردّاً على سؤال إلى العمل مع الجميع “باستثناء اسرائيل طبعاً” وخصوصاً العرب الذين ينتمي لبنان شعباً ودولة إليهم ومن هؤلاء سوريا.




طبعاً اللبنانيّون فريقان وربّما أكثر في موضوع استعادة العلاقة مع سوريا. لكنَّ الجميع ما عادوا يُمانعون في ذلك أوَّلاً لأنّ وضع البلاد مزري جدّاً، واستعادة علاقة مع سوريا أو بعض علاقة تُساعد أو يؤمَّل في أن تساعد في تخفيف حدَّة أزمات إن لم يكن حلُّها مُتيسِّراً، مثل الكهرباء والتهريب الشامل كلّ ما يفتقده لبنان حاليّاً من أدوية ومحروقات متنوّعة. وما عادوا يُمانعون ثانياً في ذلك بعدما أشارت أميركا إلى استعدادها لاستثناء لبنان من العقوبات جرّاء تطبيق “قانون قيصر” الذي استهدف سوريا وإيران وغيرهما من زمان، إذا كان الهدف حلّ أزمة الكهرباء باستجرار الغاز المصري عبر الأردن ثمّ سوريا إلى لبنان. وطبعاً أيضاً يعرف اللبنانيّون أنّ مصلحتهم تقتضي التعاون مع سوريا وإن كان نظامها وحاكمها “عدوّين” للبلاد في رأي بعض شعوبه أو أجزاء مُهمّة منها. لكنَّهم يعرفون في الوقت نفسه أنّ استمرار النظام السوري ودوره في حلّ أزمة بلاده الطويلة لا يُمكن حذفهما أو الاستغناء عنهما، وأنّ الفريق أو بالأحرى الشعب وبعضٌ قليل من الشعوب اللبنانيّة الأخرى يبدو رابحاً أو مُتفوّقاً حاليّاً على اللبنانيّين الآخرين. وهو حليفٌ لسوريا الأسد بل ومُشاركٌ رئيسيّ في منع انهيار نظامها ورئيسها وحليفٌ لإيران الإسلاميّة بل ابنها وهي حليفة أسد دمشق. في حال كهذه ستكون استعادة لبنان علاقته الرسميّة مع سوريا سياسيّاً في مصلحة حليفها اللبناني المُمسك بالدولة ومفاصلها ومؤسّساتها وسياساتها. كما ستكون في مصلحة الاستراتيجيا اللبنانيّة لسوريا التي وضعها مؤسّس النظام الحالي فيها أي الرئيس الراحل حافظ الأسد وإن مُعدَّلة ربّما في هذه المرحلة بسبب توسُّع النفوذ الإيراني في لبنان وتحوُّل “حزب الله” رقماً صعباً داخله وفي المنطقة أو ربّما الرقم الأصعب.

هل يستطيع رابطو عودة العلاقة الرسميّة المُتنوّعة بين لبنان وسوريا الأسد بتوصُّل روسيا وأميركا والمجتمع الدولي إلى تسوية سياسيَّة للأزمة – الحرب السوريّة الاستمرار في رفضهم لها رغم معرفتهم أن الأوضاع المزرية لبلادهم تفرضها؟ أم أنّهم لا يزالون يأملون في انتهاء النظام الحاكم فيها أو على الأقل في نشوء نظامٍ جديد لها يُقلَّص سيطرة أصحاب الفكر الأقلّوي عليها التي كانت أحد أسباب الثورة الإصلاحيّة فالحرب العسكريّة ثمّ الحرب الإرهابيّة بعدما سيطرت التنظيمات الإسلاميّة المُتطرِّفة حتّى الإرهاب عليها بدعم خارجيّ مُتنوِّع عدوّ وصديق وشقيق؟ الأمل في جواب عن السؤال الثاني لم يعُد كبيراً لأسباب متنوّعة منها رفض روسيا والصين وهم من كبار المجتمع الدولي تغيير الأنظمة غير الديموقراطيّة المُشابهة لنظاميهما. ورفض كبيرين من المجتمع الإقليمي هما إيران الإسلاميّة وإسرائيل تغيير النظام السوري. دافع الأولى هو حلفها الثابت مع نظام الأسد الراحل وخلفه الرئيس بشّار الذي تعمَّد بالدم كما الذي فرضه تلاقي المصلحتين الاستراتيجيّتين الإيرانيّة والأسديّة وتلاقي الانتماءات “العقائديّة” بينهما أو بعضها. أما ربط استعادة علاقة لبنان بسوريا بتسوية سياسيّة فيها فموقف جدّي وربّما يكون موضوعيّاً ولا سيّما بعد التطوُّرات العسكريّة والسياسيّة والجغرافيّة في العالم كما في الشرق الأوسط. لكنّ على أصحابه أن يعرفوا أنّ هذه التسوية ستكون انعكاساً لميزان قوى لا يُحبّونه وليس في مصلحتهم. إذ أنّ دور إيران فيه سيكون “طابشاً”، ولا بُدّ أن يجعل ذلك دور حليفها “حزب الله” “طابشاً” في لبنان أيضاً.

كيف يمكن أن يُواجه لبنان ذلك؟ وهل سيكون مُستعدّاً له؟ وكيف؟