اللامبالاة السعوية تعقد مهمة نجيب ميقاتي

تعكس تصريحات رئيس الحكومة اللبنانية نجيب ميقاتي التي أكد فيها الأحد أن لبنان لا يمكن أن يكون غريبا عن محيطه العربي أن الرجل لا يبحث عن حلول في الداخل وإنما ينظر إلى الدعم الخارجي على أنه بوابة الحل لبلد غارق في الأزمات.

وأكد ميقاتي أنه “لا يمكن للبنان النهوض من أزمته دون مساعدة نفسه ومساعدة أشقائه العرب”، موضحا أنه لا يطلب “شيكا على بياض، ونحن نعلم أن زمن المعجزات المالية قد ولّى، ولا يمكن الحصول على المساعدات إلا بناء على برنامج واضح المعالم واستثمارات شفافة وواضحة الوجهة، وهو ما سيكون عنصرا أساسيا من عناصر عمل الحكومة”.




واعتبرت أوساط سياسية لبنانية أن خطاب ميقاتي موجه إلى دول الخليج، وخاصة السعودية، التي يعرف جيدا أنها الجهة الأكثر قدرة على دعم لبنان ومساعدته في الخروج من أزماته، وهو ما فعلته في السابق.

لكن هذه الأوساط تساءلت إن كان ميقاتي قادرا على إقناع السعودية بأنه ليس رئيس حكومة يتحكم فيها حزب الله من وراء الستار، وهل بمقدوره أن يتصرف بعيدا عن إملاءات الحزب وأمينه العام حسن نصرالله.

وتنظر دوائر سعودية إلى تأليف ميقاتي لحكومة جديدة على مثل ما نظرت عام 2011، بمعنى أنه يؤلف حكومة حزب الله، ما يشير إلى أن السعودية لا صلة لها بالتسوية الداخلية – الخارجية التي جيئت بميقاتي إلى التكليف مجددا.

وأرسلت السعودية في الأشهر الأخيرة إشارات تفيد بأنها لم تعد معنية بلبنان وبالجدل بشأن تشكيل حكومة جديدة وبمن سيكون رئيسها، في وقت تعرف فيه أن حزب الله هو المتحكم في المشهد.

وبذلت الرياض كل ما في وسعها على مدى سنوات مضت لدعم لبنان وحث الفرقاء على منع ارتهانه إلى أيّ جهة خارجية، لكن اللبنانيين ظلوا ينظرون إلى المملكة كجهة مهمتها ضخ الأموال وتحريك الاقتصاد والسياحة دون أيّ التزام سياسي تجاهها، وهو خيار لم يعد يتماشى مع سياستها الجديدة.

وتقطع اللامبالاة التي تظهرها السعودية تجاه لبنان الطريق على أي رهان لدورها في حل أزمة لبنان مثلما هو الحال في مناسبات سابقة كثيرة، وهو ما يزيد من تأزم الوضع في لبنان.

وقدّمت المملكة المليارات في سبيل إعادة إعمار لبنان بعد الحرب الأهلية (1975 – 1990)، لكنّها بدت في السنوات الماضية غاضبة جراء فشلها في كبح جماح حزب الله المسلّح والنافذ المدعوم من إيران.

وشهدت العلاقات السعودية – اللبنانية منذ العام 2016 فتورا غلب عليه التوتر، في ظل هيمنة حزب الله المدعوم من إيران، وحلفائه على القرار اللبناني، واتخاذ الخارجية اللبنانية سلسلة مواقف بدت مناوئة للرياض.

وسجلت في الأشهر الأخيرة عودة الاهتمام السعودي بلبنان، لكن لم يصل في واقع الأمر إلى تغير حقيقي في الموقف فالرياض لا تزال تصر على ضرورة تحجيم نفوذ حزب الله، كخطوة أساسية لاستئناف الدعم لهذا البلد وهو شرط لم يلتزم به رئيس الحكومة المكلف السابق سعد الحريري.

ويواجه لبنان أزمة اقتصادية خانقة تستوجب دعما ماليا خليجيا (سعوديا بشكل خاص) ودوليا لتفادي انهيار يقول مراقبون إنه بات وشيكا.

وإلى جانب اللاءات السعودية التي تشير إلى عدم انخراطها في أي دعم لمساعدة لبنان، يرى مراقبون في قصر المدة الزمنية للحكومة اللبنانية الجديدة عقبة أخرى أمام ميقاتي.

ويقول مراقبون إن المملكة وحتى إن أجرت تعديلات على مواقفها بشأن لبنان لن تقدم على هذه الخطوة الآن بل ستنتظر الانتخابات التشريعية القادمة في ربيع 2022 لتعيد ضبط بوصلتها وفق نتائجها وتأثير حزب الله فيها.

ويشير هؤلاء إلى أن مهمة ميقاتي خلال ما تبقى من مدة زمنية حتى بلوغ الانتخابات تتلخص في “رجل مطافئ” يسعى لتجنب الانهيار الشامل لا إيجاد حلول عملية للإصلاح وبالتالي فإن الأموال العربية إن وجدت ستسهلك كعادتها من دون النتائج المرجوة منها.

وفي انتظار الانتخابات في الربيع القادم، لم تبد السعودية تجاوبا مع دعوات المسؤولين اللبنانيين، إلا أن محللين يؤكدون أن المملكة ستندفع بثقلها المالي والسياسي في دعم بيروت إذا ما تمكن اللبنانيون من تشكيل حكومة لا تكون لحزب الله فيها الكلمة الفصل.

وفي المقابل، كشف ميقاتي أنه بصدد التواصل مع الكويت لإعادة إحياء قرض خطة الكهرباء.

وخلال ترؤسه حكومته الثانية، حصل ميقاتي على عرض من الصندوق الكويتي للتنمية بتوفير قرض ميسر وطويل الأجل لإنجاز خطة الكهرباء وبناء مصانع، إلا أن المشروع لم ينجز بسبب الخلافات السياسية.

وتابع “سأسعى مع الكويت لإعادة إحياء هذه المشاريع، خصوصا أنها سباقة في الوقوف إلى جانب لبنان، وكانت دائما صاحبة الخطوات الاستباقية في توفير المساعدات العاجلة والضرورية له عند الأزمات الكبرى”.

وتتخذ الأزمة الاقتصادية غير المسبوقة التي يعاني منها لبنان منذ صيف 2019 مسارا تصاعديا، ووصفها البنك الدولي بأنّها من بين الأسوأ منذ عام 1850.

وتقدّر الأمم المتحدة أنّ 78 في المئة من الشعب اللبناني يرزحون تحت خط الفقر في ظلّ تضخم جامح وعمليات تسريح من الوظائف.

وترافق ذلك كلّه مع عتمة لفّت لبنان مع انقطاع التيار الكهربائي لنحو 22 ساعة في اليوم، إلى جانب المعاناة من انهيار قيمة العملة المحلية ومن القيود التي أقرّتها البنوك أحاديا، فضلا عن الرفع التدريجي للدعم الذي توفّره الدولة على مواد ومنتجات أساسية مستوردة وشحّ الوقود والأدوية.

ويقول المحلل السياسي توفيق شومان إن “أمام الحكومة اختبارات عدة، تبدأ بإعادة ترتيب علاقات لبنان بدول الخليج، ثمّ بتطبيق بنود الورقة الفرنسية، إضافة إلى تحديد حجم الخسائر المالية في لبنان والتفاوض مع صندوق النقد الدولي، ما يؤدي إلى الإفراج عن الأموال المخصصة للبنان من مؤتمر سيدر”.




العرب