الإعلام اللبناني يحتاج أكثر من التفاؤل لإخراجه من عنق الزجاجة

دعا وزير الإعلام اللبناني الجديد جورج قرداحي، الأحد، وسائل إعلام بلاده إلى بث روح التفاؤل والإيجابية للجمهور اللبناني وعدم استضافة سياسيين ومحللين يبشرون لبنان بـ”الجحيم”، رغم جميع الأزمات التي تمر بها البلاد وأثرت بشكل واضح على الإعلام وقدرته على القيام بعمله.

وجاء تصريح قرداحي للصحافيين بمطار بيروت، فور وصوله إلى لبنان قادما من الإمارات، عقب يومين من إعلان تشكيل الحكومة اللبنانية الجديدة، حيث أثار خبر تعيينه ضجة واسعة وهو من بين القلائل من الوزراء الذين عينوا في منصب يناسب اختصاصهم.




وانتقد التصريحات الإعلامية لعدد من المحللين التي تناولوا فيها الحكومة وتشكيلها والمحاصصة فيها، مشددا على أن الحكومة حديثة الولادة ولا يمكن الحكم عليها. وشدد على أن الحكومة ستحاول القيام بشيء في ظل الظروف الراهنة.

وقال قرداحي “بعض الجهابذة والمحللين الذين ظهروا عبر شاشات وسائل الإعلام خلال اليومين الماضيين وحللوا تشكيل الحكومة والمحاصصة.. فليسمحوا لنا بالعمل ويهدأوا قليلا”.

وأضاف “لبنان كما وصفها رئيس الحكومة نجيب ميقاتي بأنها كطائرة تهبط اضطراريا”، واصفا بعض التعليقات على تشكيل الحكومة الجديدة بـ”المخزية والمعيبة”.

ورغم حماس قرداحي لتحسين الأوضاع وعدم الالتفات للآراء السلبية، إلا أن الأوضاع في لبنان تحتاج إلى أكثر من التفاؤل، فأزمة انقطاع الوقود الذي عرقل تغطية وسائل الإعلام المحلية للأحداث والمستجدات أكبر من أن يتم حلها بالنظرة الإيجابية للمعلقين والمحللين على الشاشات اللبنانية.

ودفعت أزمة المحروقات الحادّة في لبنان المؤسسات الإعلامية إلى اتخاذ إجراءات استثنائية تفاوتت تبعاً للإمكانات والاحتياطات وتوحدت حول الاستمرارية والصمود في شتّى الوسائل لإبقاء تغطياتها قائمة لوقائع كوارث اقتصادية ومعيشية غير مسبوقة في تاريخ البلاد.

كما أن قانون الإعلام الذي يُعمل عليه منذ سنوات، لم يستطع رؤية النور بالرغم من الخطابات المتتالية لوزيرة الإعلام السابقة منال عبدالصمد وتفاؤلها بقرب إنجازه، دون الحديث عن الحريات الإعلامية والدفاع عنها في مواجهة الخروقات والاستدعاءات والاعتداءات على الإعلاميين خلال العامين الماضيين.

وأكدت عبدالصمد في تصريحات سابقة، أن حرية الصحافة والتعبير تراجعت في لبنان منذ 2010 وليس منذ 2015، وفقاً للمعطيات الواردة لديها.

وأوضحت أن هذا التراجع سببه عدة عوامل، أبرزها عدم وجود قوانين تحمي الصحافيين، في ظل الصراعات الداخلية التي تجعل كل شخص لديه رأي مختلف، مُحارب من الطرف الآخر.

وقدمت وزارة الإعلام منذ أشهر تعديلات جوهرية على اقتراح “قانون الإعلام” لحماية جميع الصحافيين والإعلاميين، بانتظار إقرارها في مجلس النواب، لكن لم يتم إقرارها.

وتعزز التعديلات حماية الصحافيين والإعلاميين من أي انتهاك أو تضييق قد يتعرضون له، وتلغي محكمة المطبوعات، بحيث تُحال أفعال الإعلام أمام محكمة مختصة بالإعلام.

كما تتيح التعديلات إدراج المواقع الإلكترونية الصحافية من ضمن وسائل الإعلام التقليدية (التلفزيون، الإذاعة، الصحيفة) وبالتالي تنطبق عليها الحقوق والواجبات ذاتها.

وتتوسع الانتهاكات بحق الصحافيين والناشطين من خلال حملات تحريض وتهديد على مواقع التواصل، واستدعاءات أمنية ودعاوى قضائية، وكلها تهدف إلى الحد من الحريات ونقل الحقيقة، بحسب شحرور.

وفي الحادي والعشرين من أبريل الماضي، قالت منظمة “مراسلون بلا حدود”، في تصنيفها السنوي، إن لبنان استمر في مساره الانحداري الذي بدأه عام 2015، متراجعاً مرتبة إضافية، إذ حل في المركز 102 من أصل 180 دولة.

وأشارت المنظمة إلى استخدام جهاز القضاء في لبنان كأداة لملاحقة وسائل الإعلام والصحافيين الذين يتابعون وينتقدون الشخصيات السياسية أو الدينية ذات النفوذ.

وأضافت المنظمة أن ذلك يشمل المدوّنين والصحافيين الذين يعملون في مواقع إلكترونية، إذ يمكن أن تكلفهم منشوراتهم على منصات التواصل الاجتماعي استدعاءً من مكتب مكافحة الجرائم المعلوماتية عقب تلقي شكوى من جهات بارزة لها صلة بالحكومة.

قانون الإعلام في لبنان لم يستطع رؤية النور بالرغم من الخطابات المتتالية لوزيرة الإعلام السابقة منال عبدالصمد وتفاؤلها بقرب إنجازه

ومن الملفات التي تنتظر قرداحي مدى قدرة الإعلام اللبناني على ممارسة دوره المهني في الرقابة على السلطات وكشف الفساد ومتابعة التحقيقات في القضايا الكبرى، في حين أنه يتعرض للضغط الذي تمثله الاتهامات المسبقة والتهديدات العلنية، ومحاولات إرهابه أمنيا ورسمياً، في محاولة للسيطرة على السلطة الرابعة التي لا تزال السلطة الفاعلة الوحيدة التي تمارس دورها بينما تضرب باقي السلطات ويسيطر على قرارها وينعدم دورها.

ولكن في زمن انعدام القانون، يقف الإعلام اللبناني اليوم بين خيارين، إما الرضوخ للضغوطات والانصياع لإرادة السلطة وأحزابها وتطويع سياساتها التحريرية، وإما المواجهة التي قد تضعه أمام احتمالات وقوع التهديدات والاتهامات الجاهزة والمعلبة مسبقاً بإثارة الفتنة وحملات التحريض.

وقرداحي (71 عاما) شخصية إعلامية معروفة في لبنان والوطن العربي، وعمل صحافيا في إذاعة مونت كارلو في باريس، لكن شهرته الواسعة اكتسبها من تقديم برنامج المسابقات الشهير “من سيربح المليون” على فضائية “أم.بي.سي”.

ولم تكن السياسة بعيدة يوماً عن طموح قرداحي، ففي عام 2013 أعلن عن ترشّحه للانتخابات النيابية عن منطقة كسروان، قبل أن ينسحب منها بسبب القانون الانتخابي، وقال قرداحي في تصريحات غاضبة ضد السياسة، إنّه “ليس موافقاً على التحالفات السياسية القائمة، لأنها ضحك على الشعب، ضحك على عقول الناس، أنا غاضب وعاتب وخائب الظنّ بالمواضيع السياسية والانتخابات النيابية، لكن في النهاية لست بحاجة للنيابة”.

والجمعة، تشكلت الحكومة اللبنانية برئاسة نجيب ميقاتي عقب 13 شهراً من التعثر عقب استقالة حكومة تصريف الأعمال برئاسة حسان دياب في العاشر من أغسطس 2020 بعد 6 أيام من انفجار كارثي بمرفأ بيروت.

ويأمل اللبنانيون أن تضع الحكومة الجديدة حداً للأزمة الاقتصادية الحادة التي تضرب البلاد منذ أواخر 2019، والتي أدت إلى انهيار مالي وارتفاع قياسي بمعدلات الفقر، فضلاً عن شح في الوقود والأدوية وسلع أساسية أخرى.