التسوية الحكومية فرنسية إيرانية برعاية أميركية: لمن القرار؟

سابين عويس – النهار

١٣ شهرًا من النزاع والتعطيل كبدت البلاد والعباد خسائر فادحة شلت الاقتصاد وأنهكت مؤسساته، وافلست معظمها، انتهت إلى نجاح الرئيس المكلف نجيب ميقاتي في انتزاع توقيع رئيس الجمهورية على تشكيلة حكومية أفضل ما يمكن وصفها انها ثمرة “فن الممكن” و”تدوير الزوايا”، السمة التي عول عليها العهد عند تكليف ميقاتي، حيث كل فريق يعتبر نفسه رابحاً، والاهم، قادراً على تسويق الانتصار وتوظيفه استعداداً للاستحقاقات الاقسى المقبلة على البلاد.




كل الشروط الداخلية والخارجية التي رفعت في وجه سعد الحريري سقطت على عتبة ميقاتي. اخرج العهد الحريري من السلطة، وادخل ميقاتي إلى جنتها بغطاء عربي ودولي افرزته تسوية فرنسية ايرانية برعاية اميركية وقبول مصري، وعدم اكتراث سعودي.

كان مقدرا للحكومة الميقاتية أن تولد قبل يومين، ولكن نصيحة فرنسية أعطيت لميقاتي للتريث لضمان ولادتها وعدم تعثرها أمام تعديلات ربع الساعة الاخير. ذلك أن الفرنسيين الذين عملوا بقوة على ضمان صدور المراسيم وفق الأسماء المقترحة، ولهم فيها ملائكتهم، حرصوا على تعبيد الطريق امام الرئيس المكلف بحيث لا يٌصدم بمفاجآت من شأنها ان تعيد الامور إلى مربعها الاول.

هكذا كان، تدخل الفرنسيون لابقاء القديم على قدمه، والحؤول دون حصول اي مفاجآت. حتى رئيس المجلس كان في تلك الاجواء.

ولكن ما الذي تغير وأدى إلى فكفك العقد وتذليلها، ولا سيما مسألة الثلث المعطل وتسمية الوزراء الذين سيفاوضون صندوق النقد الدولي واعطاء “التيار الوطني الحر” الثقة للحكومة؟ وإذا عن صحة ما تردد غداة اعلان المراسيم عن حصول عون على ثلث مقنع؟

لا شك ان المواقف التي اعقبت التأليف حرصت على تسويق كل فريق لانتصاراته، بقطع النظر عن مدى صحتها او واقعيتها. لكن الاكيد ان “حزب الله” الذي التزم الصمت كان الرابح الاكبر، بعدما تمثل بوزيرين رغم الفيتو الاميركي الذي وضع في وجه الحريري في هذا المجال. وهذا يؤكد “الاصبع” الاميركي في تسهيل التأليف، سيما وان الموقف الاميركي بات واضحاً لجهة الرغبة في وجود سلطة تنفيذية فاعلة يمكن التواصل معها.

وما فتح خيارات استجرار الغاز المصري والنفط العراقي مقابل النفط الايراني الا تأكيداً على رغبة واشنطن في وضع حد لانزلاق #لبنان الكامل في المحور الايراني.

دليل آخر في هذا المجال تمثل في اختيار السفير السابق لدى واشنطن عبد الله بو حبيب لوزارة الخارجية.

رئيس الحكومة حقق بدوره مكاسب اهمها انه عطل مشروع استهداف السنة وضرب رئاسة الحكومة بابقاء ما تبقى من الولاية الرئاسية في يد الرئيس. كما نجح في ضم بعض الاسماء من اصحاب الخبرة إلى فريقه بما يساعده إلى جانب الفرنسيين في تحقيق بعض الاختراقات ان في ملف الطاقة او في التفاوض مع صندوق النقد.

اما رئيس الجمهورية فهو حصل على ثلث مقنع إذا ما اضيفت إلى حصته حصة الطاشناق. ولكن احتساب الحصة الحقيقية ستكون رهينة اداء الوزراء وممارستهم على طاولة مجلس الوزراء. هل ستكون قراراتهم مستقلة او سيعود الخليوي إلى العمل مع المرجعيات السياسية لكل وزير، سيما وان التشكيلة الحكومية لم تلتزم معايير الاختصاص والاستقلالية، بل جاءت انعكاسًا واضحًا للمحاصصة الطائفية والحزبية. وللمفارقة ان هذه المحاصصة حالت دون وجود الشخص المناسب في مكانه في عدد من الوزارات التي كان يمكن الافادة من كفاءات اصحابها في حقائب تناسب اختصاصهم.

بعد ولادة الحكومة، لن يعود مهمًا استعادة العقد او احصاء المكاسب والخسائر في السياسة امام هول وفداحة الخسائر على المستوى الاقتصادي والمالي والنقدي والاجتماعي وحتى الانساني بعدما بات أكثر من ثلثي اللبنانيين على خط الفقر او أدني. لكن المهم اليوم هو معرفة ما ستكون عليه هذه الحكومة التي لا تملك ترف الوقت حتى للتفكير، سيما وان البلاد ورغم كل مصائبها دخلت مرحلة الانتخابات، وباتت كل الحسابات السياسية لمكوناتها تصب في هذا الإطار. والسؤال الاهم اي دور واي مهمة واي بيان وزاري واي قرار واي سياسة خارجية افرزتها التسوية، وما هو حجم وهامش المناورة المتاح امامها وامام رئيسها، واي مستوى من التعاون والانسجام ينتظرها مع رئيس البلاد؟

اسئلة برسم فريق العمل الجديد المناط به مهمة انقاذية غير مسبوقة المخاطر والالغام، عسى الا تقتصر مهمتها على ضخ بعض الاوكسيجين في جسم عليل من اجل رفع جهوزيته للضربات المحتملة المقبلة!