سمير عطا الله

خريف لبنان – سمير عطالله – النهار

كان ايلول، في الزمن الذي انقضى، شهر الاياب. شهر العودة. الناس تعود من العطل، والاولاد إلى المدارس، والعمل إلى حركته الكاملة. وتعود المدينة إلى دورها، عاصمة للآتين من الجهات الأربع، تاركين خلفهم “جيز الحصايد” وقد كف عن غناء “القصايد”، كما سخر منه فيلمون وهبي، سبع. سبع القرى، وسبع الالحان، وسبع الضحك، ومسبِّع الكارات والمواهب. ولما كان ذلك أيضاً زمن الإتقان، فقد اتقن سبع كيف ينقل أوتار عوده الرنان ما بين الفرح وخدر الحنين. وذات فريق تسنى له، صوت فيروزوقصيد جوزف حرب، ولحّن على عوده “ورقو الاصفر شهر ايلول، تحت الشبابيك”.

وكان شهر المؤن والاحتراز والتهيؤ لحصار الشتاء وعتومه ولياليه، التي تطوي طولها المواقد والحكايات ودفء العائلة، وما ترك الصيف من خصب وحصاد وثمار وأعناب، وكل ما يُجفف دون ان يفقد رحيقه. ويطل الخريف حانياً، خجولاً بنفسه، مستحياً بحاله، مثل جميع النبلاء والاكابر وشعراء الفصول. يصفرُ اوراق الشهر ثم يعرّيها ثم يطلق السحب من عل ويرسل الضباب من كلّ، ويفتح نصف فتحة خزان المطر، كمثل تحذير من جنون السيول وغضب العواصف وقشعريرة البرق وغلظة الرعد.




ينبّه ايلول إلى خير ما كان، وعقم ما سوف يكون. يفصل بين الفصول ويقسّمها، ما بين خصب وجدب، ليال مقمرة ونهارات مكفهرة، يحذِّر الإنسان من بدء دورة النزول في حياته. حاذر السقوط. حاذر الزحلقة. حاذر الوقوع وشماتة الناس. حاذر العراء في الشتاء. ادرس جيداً دورة الفصول. اعد قراءة لافونتين وابن المقفع وحكايات بيدبا الفيلسوف. الزلمة، لم يكن يمزح على الاطلاق. كان حكيماً والحكماء يعرفون معنى الوقت. هو الذي يملكك، لا انت. الوقت يد الله وانت ذرة في مذراته. لذلك أحبّ المتواضعين وأحسن سترهم وبخّر سمعتهم.

لم نعد ننتظر ايلول على الشبابيك. تساوت الفصول عندما ازداد حنق الرجال وصار حمقاً. وتساوى الفاسدون والفاسقون ودجّالو البراءة، كَذَبة الوعود، خونة العهد. شهر الاياب هذا جعلوه شهر الهجرة الأسود، كما في كاريكاتور ارمان حمصي، يوم الجمعة. كأنما كل جمعة جمعة حزينة، كأنما كل يوم يوم جمعة، كأنما الجلجلة والشوك والمر ويهوذا قدر الاوطان الجميلة، كأنما ايلول المؤن لا يعود، رافضاً رؤية المخازن خالية، والحصاد استعطاء، والمدارس بلا ابواب، و#لبنان يئن والراكبون عليه ينهرونه: اطمئن.

يطمئن إلى من؟ وإلى ماذا هذا اللقيط المرمي على عتبات الأمم؟ يقول الكاتب يوسف بزي، المسيحي الأم، أنه شرّد، كما في رواية جبور الدويهي، شريد المنازل”، 12 مرة. يوم من طائفة ابيه، يوم من طائفة أمه، يوم من احزاب الطوائف. هل يعقل ان يكون مواطن هذا البلد مضطهداً من جميع الاحزاب والطوائف، مرمياً من الدولة، تودعه امه في المطار محذرة: اياك ان تعود، متظاهرة بأنها بلا دموع، فالدمع للحزانى، والحزن صار هنا للعائدين لا للمغادرين.

إلى أين يعود؟ دولة لم يعد لها وجود على أي مؤشر عالمي، إلا قبل بوركينا فاسو، أو بعدها. شعب يعتبر ان مائة دولار من مهاجريه “سعفة” أو “بركة”. حكومة لا تدعى إلى مكان. عملة مثل البيزو الفنزويلي، لا سقف ولا قعر. كنا على سلم النمو وأصبحا على سلم التسول. جاءت سيدة اوروبا انغيلا ميركل تعرض علينا كهرباء مثل المانيا، فصرفها القيصر بإصبعه، يريد أن يعلم الألمان ما علّم سيّده اميركا وبريطانيا في الاقتصاد. فلو كنت أباً أو اماً، هل تريد لابنك أن يعود إلى دولة القيصر؟

كان يقال في الفولكلور الماضي “نيال من له مرقد عنزة في لبنان”. صار القول اليوم ما أتعس الاحياء والراقدين فيه. عدني بأنك لن تعود، تقول الأم المودعة في المطار. لا تضعف امام حنينك. ارمِ عنك سحر فيروز. وامض. الوطن حيث الكرامة. الذين لا يهمهم ان تنام على خبز مبلول بالمياه والسكر، هم اعداؤك. كل من جوعك عدوك. وعدو ترابك. قاهرك الذي يجردك من مؤونة ايلول وقمحه المسلوق مع الجوز وماء الزهر، ووداد تمر في الساحة ذاهبة إلى العين، وشباب الساحة عيونهم على وداد، ووداد تتظاهر بأنها لا تعرف شيئاً عن فرقة القلوب، “فيلهارمونيك” الضيعة، تعزف اغنية ايف مونتان، الاوراق الميتة تلمُ بالسلال. أو شعر جوزف حرب: “ذكرني وورقو ذهب مشغول ذكرني فيك، رجع ايلول وانت بعيد بغيمي حزينة قمرها وحيد”.

ما هذا يا شاعر الضياع وتلال القمر، ووداد بيضاء بلونه تعبر الساحة مثل الفرقة الملكية، متعجلة، كأنها تخشى ظهور بتهوفن من خلف عرائش احرقها الصيف، لكثرة ما اشرقت شمسه على ارواقها. كل شيء يريد ان يعزف لوداد، قبل ان ينتهي العرض، وتدخل وداد خلف الشبابيك والاحلام والسحب المسرعة.

شهر الإياب شهر ايلول. شهر العودة إلى السقوف من الخيام المؤقتة والعرازيل المكشوفة، لكيلا يفوتك مشهد النجوم حتى في النوم. ووداد تشكو إلى أمها ما شكت منه ثريا إلى والديها. بسيطة شباب، سبع بيحلها. بسيطة. سنفرلو ع السنفريان.

كرمال ايلول. كرمال الورق الاصفر. وصبايا السعادة والجمال. وحين تنام في العرزال لا ترى جميع نجوم اسماء ساهرة عليك، بل نجمة الساحة، نجمة الصبح. والضحى والعصر. يا لور حبك كان فصل الجيران والاحباء. محبة ولا احقاد، وخير ومؤن وابواب المدارس نحو العلم. لم يعد شهر شيء، شهر ايلول. لا مؤن ولا عمل ولا مرحبا. غضب وحقد وكيد وحسد والسحب تمطر كرهاً ويأساً وانيناً. والناس تغوص غوصاً في زبالة الآخرين من اجل قوتها وبقائها. ويقتلون على المحطات. وفي طوابير الافران. وفي الصمت المكابر. ويتأمل ايلول ساحة البرج حيث كان لبنان يتجمع من حوله مثل ملتقى الاعراس، فيحزن ويمضي. لا أحد يلقي التحية. لا أحد يكلم احداً. لا أحد يصغي إلى أحد. جنازة طويلة للجمال والهناء والامل. كل ما سمعتَ يا رضا، من قبل، قد مضى وانقضى ولن يعود. لا شيء، يا رضا، لا شيء. بالكاد بوركينا فاسو. أو موزامبيق. على متن “روسوس”.

أنا يا رضا لا احيلك عبئاً على المسيو دو لافونتين. الزلمة. كان ابن عيلة وله خبرة في طبائع البشر. لذلك طبقها على الحيوان، مسيئاً اساءة ظالمة إلى المخلوقات النبيلة، كالأفيال والقرود والغيالم. وحتى بان آوى، الجائع ابداً إلى عنقود عنب أو دجاجة لا تكف عن الثرثرة: بق بق بقابيق. الكلام نفسه. اللحن نفسه. بيق بيق. وعندما تبلغ هذه السوبرانو ذروة الحنجرة، تصرخ: باق.

يا رضا من كم سنة قلت لك “الشرق انقضى” والطالبان قادمون، نازلون من الجبال ومعهم وصايا الملا عمر محفورة على حجارة من تماثيل بايان. من كم سنة قلت لك الانهيار يبدأ باول باق وينتهي بآخر بيق. كان لنا زميل ضاحك كلما سافر إلى مؤتمر وعاد، نسأله: جبتلنا معك كرافتات؟ وكان يقول: لأ، جبت معي بيانات. أنا كنت بالقمة، مش عند دومينيك فرانس”. كان شارل حلو يلبس كرافتات من عند دومينيك فرانس. والفرد نقاش يعزف باغانيني، وكميل شمعون يسحر السيدات الأول والأواخر، وقالت الوسطى هل تعرفنه؟ وكان الياس سركيس يتصل منتصف الليل بالرئيس سليم الحص يسأله: هل صحيح ان الليرة خسرت 20 قرشاً. الياس سركيس كان حاكم البنك المركزي، وكان رئيس جمهورية، وكان أكثر مخلوقات الأرض دعة وتواضعاً وتجرداً. لا أبناء.