عون طلب لائحة وباسيل ردّها

وليد شقير | نداء الوطن

سرعان ما ظهر أن افتعال الأجواء التفاؤلية بتشكيل الحكومة هو مجرد مناورة مبنية على أغراض لا تمت بصلة إلى حقيقة الموقف بين رئيس الجمهورية العماد ميشال عون والرئيس المكلف نجيب ميقاتي. بينها ما له علاقة بلعبة خفض ورفع سعر الدولار، ومنها مناورة مكشوفة للتذرع بالإيجابية من أجل اتهام الفريق الآخر بالسلبية التي تسببت بتأخير ولادتها.




سرعان ما تبين أن وساطة المدير العام للأمن العام اللواء عباس ابراهيم توقفت منذ يوم السبت الماضي لأن المطلوب أن يتفاوض حول أفكار الحلول الوسط مع الصهر النائب جبران باسيل، فيما هو استأنف تحركه بالتوافق مع الرئيس عون، فتولى المهمة بدلاً منه أفراد من عائلة ميقاتي فاستعان بصهره هو الآخر مصطفى الصلح، (وأحياناً بنجله)، للتواصل مع المفاوض الفعلي على الحكومة، أي باسيل.

يقول العارفون إن ميقاتي اتصل لزيارة بعبدا قبل يومين فكان الجواب أن لا ضرورة، وأن الرئيس عون أبلغه أنه إذا كان لديه لائحة بالحكومة فليرسلها إليه، ففعل. وحين اطلع عليها باسيل ردها إلى ميقاتي معدلة الإثنين، بعدما كان الأخير اجتمع إلى رئيس البرلمان نبيه بري ليبلغه بأنه سلم رئيس الجمهورية لائحة، يأمل أن يوافق عليها الثلثاء فتصدر المراسيم. اللائحة المعدلة التي ردها باسيل تضمن حصول فريق الرئيس على 9 وزراء في الحكومة، أي الثلث المعطل. وهو ما يرفضه الرئيس المكلف، الذي يعتبر محيطه أنه ما دامت الاتصالات مستمرة سيسعى إلى تقريب المسافة الفاصلة بين الموقفين. لكن من يواكبون هذه الاتصالات يقرون بأنه كلما جرت حلحلة عقدة تنشأ عقدة أخرى.

ما زالت ولادة الحكومة عالقة بفعل تناقض الحسابات بين الفريق الرئاسي وبين الرئيس المكلف. فالأول يتعامل منذ البداية مع تأليفها على قاعدة القرار لمن في التركيبة المقبلة حتى نهاية العهد القوي، لأنها الحكومة الأخيرة التي تنهي الولاية. ويريدها منصة من أجل ما يعتبره استمرارية مشروعة لإرثه السياسي الذي يمثله صهره النائب باسيل، الذي بات مطلوباً تمكينه من أن يكرر المسار الذي سلكه العماد عون وأوصله إلى الرئاسة، متوسلاً تعطيل الاستحقاقات وإبقاء تسيير شؤون الدولة رهينة، مهما كانت الأضرار على البلد والمؤسسات والوضع الاقتصادي والمالي والحياتي المأزوم كما لم يحصل في تاريخ لبنان.

تركيبة الحكومة، وفق حسابات العهد القوي وتحالفه مع “حزب الله” يجب أن تمكن الوريث السياسي من أن يتحكم بقراراتها وأن يمتِّن تحالفه مع “حزب الله”، الحزب القوي إقليمياً لخلق وضعية تمنع الانتخابات الرئاسية بعد 13 شهراً، وتعطلها إذا لم تضمن الوراثة، بالحد الأقصى. أما بالحد الأدنى فبات خلق الفراغ الحكومي والرئاسي هدفاً للصهر، ليكون الثمن المقابل له استبعاد أخصام من الأقطاب المسيحيين عن الكرسي الأولى أي سليمان فرنجية وسمير جعجع أو من يرشحه الفرقاء الآخرون. المطلوب فرض من يكون طيّعاً لخدمة استمرارية “العهد القوي”. وفي الطريق، بين الحدين، يجري التعاطي مع تأليف الحكومة من قبل الفريق الرئاسي على أن التحكم بها يُكسِبُ الممسك بقرارها، عبر الثلث المعطل وبعض الحقائب المهمة للانتخابات النيابية، القدرة على استخدام ورقة تعطيلها من أجل رفع العقوبات عن باسيل لأنها كبّلته وجعلته مرذولاً على الصعيدين الدولي والعربي وفي الداخل، إلا من إيران وسوريا. وليس الاتصال الهاتفي بين الرئيسين الفرنسي إيمانويل ماكرون والإيراني ابراهيم رئيسي (جرى قبل يومين وتناول ضرورة دعم طهران تسريع تشكيل الحكومة) هو الذي يرفع العقوبات بنظر الفريق الرئاسي بل الاتصال الفرنسي الأميركي…

حسابات ميقاتي مختلفة. فهو يأمل بتركيبة متوازنة تضم فريق عمل نشطاً تحت إشرافه، يمكنه من تحقيق خطوات إنقاذية على الصعيد الاقتصاد والإصلاحات، عبر الاتفاق مع صندوق النقد الدولي، واستجرار الكهرباء من الأردن والغاز من مصر. وهو المشروع الذي عمل من أجله مع الجانب الأردني، وكان سعى لتحقيقه سلفه الرئيس سعد الحريري مع الجانب المصري. طموح ميقاتي أن يكون “بطلاً إنقاذياً”، لمجرد مباشرة حكومته الخطوات الإصلاحية، إضافة إلى تلزيم تأهيل قطاع الكهرباء لشركتي “سيمنز” و”جنرال إلكتريك” بالاتفاق مع فرنسا… وبذلك يدخل الاستحقاق الانتخابي معززاً بإنجاز وقف الانهيار.