أزمة حكومة سخيفة في أزمة مصير – رفيق خوري – نداء الوطن

فات الوقت على سياسة اللعب على حافة الهاوية في الأزمات. وهي، خلافاً لتراث التسويات وأصول اللعبة الديموقراطية كما مارسها رجال الدولة في الماضي، اللعبة الوحيدة التي تمارسها التركيبة الحاكمة الحالية الحاملة إرث الحرب وتكتيكاتها والسياسات. فنحن في صدام مصالح في قلب الهاوية. وما يتحكم بنا هو البحث عن حكومة لضمان المصالح داخل الهاوية، لأن الخروج منها مخيف لمن قادونا إليها. لكن أزمة الحكومة المفتوحة منذ عام تبدو سخيفة بالقياس على أزمة لبنان.

ذلك أن عملية الأخذ والرد في تأليف الحكومة تدور على المواقع والمراكز فيها، حيث الأولوية لضمان التحكم أو التعطيل. ولا كلام على البرنامج الأفضل لإنقاذ البلد من الإنهيار السياسي والإقتصادي والمالي والإجتماعي. أما ازمة لبنان، فإنها صارت أزمة مصير أكبر من مخاطر الإنهيار ومن أي رئاسة وبرلمان وحكومة وحزب. أزمة تقود أطرافاً الى التفكير في “حل” اسمه “التصغير”سواء عبر التقسيم أو الفيدرالية الأقرب الى الكونفيدرالية. وتوظفها أطراف أخرى في العمل على “حل” اسمه “التكبير” سواء عبر الإنضمام الكامل الى مشروع إقليمي أو عبر الإرتباط به مع الحفاظ على الحدود فوق الخارطة.




لكن أي “حل” منهما مهمة مستحيلة. فلا التصغير ممكن من دون تغيير الخرائط في المنطقة كلها. وهذا مشروع يحتاج الى حرب مئة سنة ثم الى صفقات بين منتصرين. ولا التكبير كان أكثر من حلم أيام المد القومي العربي، بحيث فشلت نماذجه الجزئية القليلة وإصطدام بتجذر “القطرية” والقوة الوطنية. وهو اليوم كمشروع إقليمي إيراني يبدو متقدماً عبر نفوذ طهران في العراق وسوريا ولبنان واليمن يواجه عقبات و”ممانعة” قوية في المنطقة وحسابات قوى دولية كبرى ضد قيام إمبراطوريات إقليمية بعد انهيار الإمبراطوريات الكبرى.

والمشكلة أن الحل الطبيعي الذي هو بناء دولة وطنية لمواطنين كان ولا يزال حلماً تصدمه كوابيس قبل أن يصطدم بواقع العصبيات وإصرار أمراء الطوائف على رفض أي دولة فوق الطوائف وأي سلطة أقوى من تسلطهم. وليس أمراً قليل الدلالات أن تظهر في قلب اليأس رهانات خطيرة. بعضها رهان على حرب إقليمية واسعة تبدل المشهد كله، سواء بدأها “محور الممانعة” على إسرائيل من عدة جبهات أو بدأتها إسرائيل كحرب “وقائية” قبل أن تكتمل إستعدادات المحور. لكنها عملياً حرب تدمر ما بقي من لبنان وقد تغيّر في اللعبة من دون أن يتغيّر اللاعبون. وبعضها الآخر رهان على إستمرار الأزمة حسب النظرية القائلة: الأزمة أفضل من الحل السيئ. لماذا؟ لأن إستمرار الأزمة يترك الباب مفتوحاً للتوصل الى حل جيّد. في حين أن الحل السيئ يغلق الباب ويقود الى الأسوأ.

كان المعلق الأميركي الراحل جيمس رستون يقول عن الرئيس رونالد ريغان إنه “يعرف كيف يربح لا كيف يحكم”. لكن لبنان منكوب بحكام لا يعرفون كيف يربحون ولا كيف يخسرون ولا كيف يحكمون.