الشعور بالذنب – ميشيل تويني – النهار

لاحظنا في الأسبوعين الأخيرين عدد الاشخاص الذين تركوا الوطن في محاولة لإيجاد وطن بديل، خصوصا في هذه الفترة قبل أن يبدأ العام الدراسي.

وأصبح ال#لبناني بدل أن يسأل الآخر كيف حالك، يسأله: هل ستبقى ام ستغادر؟




الأرقام تقول اننا نواجه أكبر موجات الهجرة، وان 80% من الشباب يريدون الرحيل، وأن من كان قادراً رحل، وثمة جزء كبير لم يرحل لانه لم يتمكن لكنه يتمنى ذلك.

الوضع صعب جداً ونعيش أكبر انهيار اقتصادي في ظل وباء كورونا مع سقوط تام للدولة ومؤسساتها.

اقل مقومات العيش الكريم مفقودة، وكلنا بتنا نعلم ان ـهم قطاعاتنا انهارت، من الصحة الى التربية الى غيرهما، كل هذا ليس بجديد، لكن الجديد هو أعداد الناس الذين يهاجرون.

البعض رحل ويشعر بالذنب، والبعض الآخر لم يرحل ويشعر بالذنب أيضا.

البعض رحل ويفكر في اهله الذين لم يتمكنوا من الرحيل ويخاف عليهم إذا احتاجوا الى دواء مفقود او إذا ناموا في الحر ومن دون ضوء.

رحلوا وهم لا يريدون الرحيل، فهم يحبون لبنان لكنهم أجبروا على الرحيل لأن الوطن لا يمكنه ان يؤمّن لهم ولأولادهم مستقبلا كريما.

والبعض لم يتمكن من الرحيل لان لا جنسية اخرى لدى هؤلاء واموالهم عالقة في المصارف، وهم ايضا يشعرون بالذنب لأنهم يعرفون انهم باتوا يدفنون أحلامهم ويخافون على مستقبل أولادهم.

الذنب ينتابنا نحن اللبنانيين بدل ان ينتاب من أوصلنا الى ألا يكون لدينا خيار.

أصبحنا شعبا يشعر بالذنب مهما فعل.

يشعر بالذنب إذا ابتسم أو إذا ضحك أو إذا حاول أن يستمر بالحياة رغم كل شيء.

أصبح اللبناني إذا تزوج وقرر أن يفرح يشعر بالذنب، وإذا قرر أن يكمل الحياة لأنه يحتاج إلى إيجابية وبسمة بعدها يختنق ويشعر بالذنب.

فلا وألف لا، يجب على اللبناني ألا يشعر بالذنب، بل من اوصله إلى هنا.

في إحدى المقابلات قالت لي إحدى ضحايا 4 آب: أشعر بالذنب لان آخرين خسروا حياتهم، انا فقط جُرحت.

أصبحنا شعبا يشعر بالذنب لاننا ما زلنا على قيد الحياة، ويشعر بالذنب إذا حاول ان يعيش رغم كل مآسيه.

لا، لسنا نحن المذنبين في دمارنا وانهيارنا، هي سلطة سياسية افقرت شعبها وأخذت أمواله ودمرت الدولة وادخلت النيترات وحولت بيروت عاصمة تخزين لمواد متفجرة فُجرت بوجه شعبها، وأصبح لبنان بلد التهريب وشعبه يموت جوعا يوميا ويعيش في الذل.

يجب على من يرحل ألا يشعر بالذنب. ويجب على من يتزوج ويفرح ألا يشعر بالذنب، ويجب على من يشجع القطاع السياحي ويخرج ويحاول أن يترك شيئا من وجه لبنان الحضاري وليس فقط الدمار والخراب الا يشعر بالذنب، بل على كل من كان يعلم بوجود النيترات ان يشعر بالذنب، وعلى كل سياسي وعلى مصرف لبنان والمصارف والحكومات والمسؤولين الذين كانوا يعلمون ان اموالنا تسرق لتغطية فسادهم ان يشعروا بالذنب، وعلى من يهرّب على الحدود ويذل شعبه ان يشعر بالذنب.

ويجب على من فجّرنا لسنين واوقف كل التحقيقات ولم يؤسس لقضاء نزيه أن يشعر بالذنب.

يجب على كل ضابط وقاض وسياسي ومصرفي واعلامي استفاد وصمت عن الخطأ ان يشعر بالذنب، لأنهم جميعا شركاء في ابادة شعب لم يبق له شيء، ومع كل ذلك يريدون أن يشتروه بالذنب كلما عاش بطريقة طبيعية.