المصارف تربح “الليرات” وتخسر ثقة العملاء

خالد أبو شقرا – نداء الوطن

قبل أن تُطفِئ الأزمة شمعتها الثانية بأيام قليلة، أطفأت “شعلة” الاقتصاد اللبناني ومفخرته بالصناعة المصرفية على مدار العقود السبعة الأخيرة. فبعد 13 يوماً من الاغلاق عقب ثورة 17 تشرين، فتحت البنوك على فصل جديد، عنوانه: انعدام الثقة. وبدلاً من العمل طيلة الفترة الماضية على استعادة ما فقدته من علاقة قويمة مع عملائها، “غرقت” أكثر في “وحول” الأزمة.




إذا سلمنا جدلاً بان إجراءات إعادة هيكلة القطاع المصرفي، وتصفية البنوك الرديئة، والتوزيع العادل للخسائر، بعد الاعتراف بها، مرتبطة بتشكيل حكومة انقاذية والاتفاق على الخطة الاصلاحية، فان لا شيء يبرر للمصارف عدم المحافظة على معايير العمل المصرفي البسيطة، وحصول عملائها بشكل مريح ومن دون تعقيدات على أبسط حقوقهم من الخدمات. فالعملاء “رضوا” بفقدان ودائعهم بالعملة الأجنبية وتقاضيها بأقل من 85 في المئة من قيمتها نتيجة توظيفها من قبل المصارف بشكل خاطئ، و”لم ترضَ” الأخيرة، فاستمرت بالاستنسابية في ما خص التعامل بالشيكات، ووضع العمولات العشوائية، ورفض فتح حسابات جديدة، وتوقيف صرافاتها الآلية وتقليص عدد موظفيها.

حادثتان مختلفتان في الشكل ومتصلتان في المضمون

مع بداية هذا الشهر توجّه عميل لواحد من أكبر المصارف لسحب راتبه، فلم يجد صرافاً آلياً ATM واحداً تابعاً للمصرف يعمل، في بقعة جغرافية كبيرة في العاصمة بيروت. فهنا الماكينة فارغة من النقود. وهناك مقطوعة عنها الكهرباء… وهكذا دواليك حتى وصل إلى أحد المجمعات التجارية. وبعد انتظار دوره للسحب بـ “الطابور” وراء المصّطفين الذين حُشروا لسحب الأموال من صرافات آلية متجاورة، تفاجأ بان عملية سحب 400 دولار على التعميم 151، أي مليون و560 ألف ليرة، قُبلت ولكنه لم يحصل على النقود رغم تلقيه رسالة نصية بسحبه للمبلغ. وبعد العديد من الاتصالات مع خدمة العملاء، اقرّوا بالخطأ لكنهم رفضوا اعادة المبلغ إلى حساب الدولار. فاقترحوا فتح حساب بالليرة ووضع المبلغ به رغم عدم امتلاك العميل لحساب بالليرة. ومع رفض العميل والكثير من الأخذ والرد، والتهديد باللجوء إلى المحاكم رضخ المصرف.

بحادثة أخرى، وضع أحد المصارف حظر block على حساب عميل لأنه رفض توقيع أوراق تجديد المعلومات التي تتضمن بنداً يسمح للبنك بالتصرف بالحساب كما يرتأي، بناء على التفويض الموقع أمام أحد كتاب العدل، وتغيير الاحكام والشروط من دون الرجوع إلى العميل بشكل مباشر. فالمصرف أعطى العميل الحق بالاعتراض في مهلة 15 يوماً من تغيير الشروط. إلا أن المفارقة أن المصرف لا ينشر التغييرات على الموقع مثلما قال للعميل، إنما يجب على الأخير الإطلاع عليها مباشرة في الفرع. وإن حدث ولم يعلم بالتغييرات، وهذا الاحتمال الأكبر، لا يعود يحق له الاعتراض على أي تغيير يجريه المصرف على العقد بعد انقضاء المهلة الزمنية المحددة. وبعدما باءت كل المفاوضات بالفشل لتعديل هذين البندين، ونظراً لاعتماده على هذا الحساب الوحيد في معيشته، توجه الزبون إلى قضاء العجلة لرفع دعوى تجبر المصرف على فك الحظر عن الحساب. إلا أن المحكمة لم تقبل دعوى العجلة، بحجة أن المشاكل مع المصارف لم تعد تأخذ طابع العجلة. الأمر الذي اضطره إلى سلوك دعوى مدنية تتطلب الكثير من الوقت والكلفة.

المودع عبء و”فريسة” في آن

لا يمكن فهم سلوك وتصرفات بعض المصارف تجاه مودعيها، إلا بالتفكير من وجهة نظرها التي “أصبحت تعتبر الزبون عبئاً وفريسة في آن معاً”، تقول عضو فريق المحامين في رابطة المودعين المحامية ديالا شحادة، “فمن جهة “تفترس” المصارف أرباحاً غير مشروعة من خلال تسليم الودائع بالدولار (تشكل أكثر من 80 في المئة من مجمل الودائع) بالليرة اللبنانية، وبسعر أقل بكثير من سعر الصرف الحقيقي، أي بمعدل لا يتجاوز 1/5 من قيمتها الحقيقية. ومن الجهة الأخرى، تسعى للتخلص بأي شكل من الأشكل من عبء صغار ومتوسطي المودعين الذين لا يكفون عن المطالبة بحقوقهم ويرفعون الدعاوى القضائية في لبنان والخارج في وجهها”. من هنا يمكن الملاحظة أن “معظم التعاميم الصادرة عن مصرف لبنان منذ بداية الأزمة (148 – 151 – 158) تستهدف بشكل أساسي التخلص من صغار المودعين الذين يشكلون نحو 80 في المئة من مجمل المودعين واقفال حساباتهم بشكل نهائي”، بحسب شحادة. فيما تضغط المصارف من جهتها لفرض عمولات مرتفعة على حسابات التوطين ومنع الافراد والشركات من فتح حسابات جديدة من اجل تقليص أعداد عملائها من صغار المودعين وأصحاب الرواتب الموطنة. فلا يبقى لديها إلا “أصحاب الرساميل الكبيرة الذين يتشارك بعضهم مع أصحاب البنوك في المشاريع في الداخل والخارج، وليس من مصلحتهم قلب الطاولة على المصارف وجرجرتها في المحاكم. والجزء الآخر المتبقي يسهل التفاوض معه على تسويات في ما بعد”، من وجهة نظر شحادة.

الربح على حساب المودعين

هذه “الجرائم المستمرة بحق المودعين”، بحسب توصيف شحادة، “تترافق مع تحقيق أصحاب المصارف أرباحاً هائلة حتى في ظل الازمة. فعلى الرغم من تراجع أرباحهم الصافية من 2 مليار دولار في العام 2018، فقد استطاعوا تحقيق ربح ولو أقل بكثير في العام 2020. إلا أنه بمجرد تحقيقهم ربحاً صافياً سواء كان بالدولار أو الليرة في عز الأزمة، فهذا يعني أن الخسائر يتكبدها المودع بشكل أساسي”.

الهدف كان، ولا زال، حماية أصحاب المصارف لثرواتهم المحققة على مدار السنوات الماضية، وعدم التفريط بالارباح التي ما زالوا يحققونها اليوم في معركتهم في وجه “خصومهم” المودعين. إلا أن تواطؤ السلطة التنفيذية ومصرف لبنان مع المصارف ساهم في “قنص المودعين أكثر”، برأي شحادة. “ترافق ذلك مع عدم وجود استجابة كافية على المستوى القضائي لتمكين وتقوية المغبونين”. وعن رفض المحاكم إقامة الدعاوى أمام قضاء العجلة، اعتبرت شحادة أن “لا شيء يمنع اليوم من الاستمرار في تقديم الدعاوى في وجه قضاء العجلة. فالأخير ليس قضاء حكم، بل يتخذ تدابير احتياطية لحماية الحق موقتاً ريثما يصدر الحكم. وواحدة من شروطه أن يكون الضرر الذي يلحق بمقدم الدعوى يتطلب أخذ تدبير فوري لوقف الاجراء المسبب للضرر، خصوصاً إن كان لا يمكن جبر أو تصليح الضرر الناتج في ما بعد. وقد طبقت هذه الحالة على دعوى تحويل اقساط الطلاب إلى الخارج وتسديد فواتير طبية… وغيرها. إلا أن معظم قرارات قضاء العجلة استأنفت، وهي ما زالت عالقة في القضاء من دون بت لغاية اللحظة.

حرمان المودعين العاديين لمصلحة “السوبر” تجار

من وجهة نظر مصرفية يعتبر أحد الخبراء أن تشفي المصارف بحق المودعين، وتعمد خرقها لمعايير العمل المصرفي السليم يعود إلى أسباب أعمق. فحصة المصارف الشهرية من الليرات يحددها مصرف لبنان لكل مصرف على حدة. ويستند بتحديد هذا السقف على عدد الفروع والصرافات الآلية والرواتب الموطنة بالليرة. إلا أن مصارف عدة تعمد إلى تجيير جزء من حصتها بالليرة لزبائنها التجار العاجزين عن احضار مبالغ نقدية من الخارج من أجل شراء الدولار على منصة صيرفة، كما ينص تعميم مصرف لبنان. لهذا السبب تقلصت قدرتها على تلبية طلبات زبائنها “غير المحظيين” من أصحاب الرواتب الموطنة لمصلحة بعض التجار أصحاب “السوبر” واسطة. وعليه من مصلحتها تقليل نسبة السحوبات النقدية عبر فروعها وصرافاتها إلى الحد الأدنى بأي شكل من الأشكال للمتابعة في مخططها.

المشكلة أن إجراءات المصارف لا تؤثر على حاضر البلد فحسب إنما تطال مستقبله. فاذا كان من المستحيل تأمين نهضة الاقتصاد من دون قطاع مصرفي قويم، قوي وسليم، فان استمرار تغييب القوانين الرادعة، وضعف المتابعة من لجنة الرقابة على المصارف وعدم تعيين رؤساء مستقلين لمجالس الإدارة سيفاقم المشكلة، ويجعل من الصعوبة استعادة دور لبنان في مجال الصناعة المصرفية على صعيد المحيط والعالم.