أدوية لبنانية في العراق والمواطن يبحث عن حبة دواء… تهريب لتحقيق أرباح بالفريش دولار!

ليلي جرجس – النهار

لم تكن ماروشكا عوكر تتوقع أن كلماتها المنشورة على صفحتها على الـ”فايسبوك” ستحدث ضجة وتفاعلاً كبيراً. صورة دواء التهاب Augmentin الموجود في العرق بسعره اللبناني أثار امتعاض قسم كبير من اللبنانيين الذين يستنجدون حبة منه نتيجة انقطاعه وعدم توفره في لبنان.




لكن ما هو موجود في المستودعات التي تُخزن بالأطنان ال#أدوية على اختلافها، غير متوفر في الصيدليات. وما هو مفقود في لبنان أو مخزن بطريقة ملتوية ولأسباب تجارية تبيّن انه موجود في دول عربية ومنها العراق ومصر.

وصرخة عوكر التي تعكس حجم الألم والخيبة التي شعرت بها عندما وجدت دواءها اللبناني في العراق بعد استحالة إيجاده في لبنان أكبر دليل عن المهزلة التي نعيشها في بلد تتحكم فيه مافيات الدواء والسلطة.

وفي اتصال مع “النهار”، تؤكد عوكر أنها “طلبت من زوجها المتواجد في العراق لأيام شراء دواء الـaugmentin بعد تعذر ايجاده في لبنان. وجد ما يبحث عنه، إلا أن الصدمة كانت في أن الأدوية مسعرة باللبناني وحتى تاريخ الصلاحية قد قارب على الانتهاء خلال أشهر محدودة. لم أصدق عينيّ، هذا الدواء الذي بحثت عنه في كل مكان، لم أجده في لبنان لأنه مهرب إلى العراق”.

برأي عوكر “هذا الدواء المدعوم من أموالنا موجود في دولة أخرى، وعلينا شراؤه من جديد بأموالنا لتأمينه نتيجة فقدانه في لبنان. نحن محرومون منه في حين أنه موجود في المستودعات ودول أخرى. إنها مهزلة”.

تعترف عوكر أنها لم تتوقع أن يحدث منشورها على الفايسبوك هذا التفاعل الكبير والصادم، لقد كتبت كلماتها كردة فعل أولية إلا أنها لمست حقيقة مدى وجع الناس وغضبهم مما آلت إليه الأمور في لبنان خصوصاً في مسألة الدواء.

ما جرى مع عوكر قد تكرر كثيراً مع غيرها في الآونة الأخيرة، ومن يسافر إلى الدول المجاورة يعرف تماماً عما نتحدث. الأدوية اللبنانية المدعومة باتت ربحاً لبعض التجار والصيدليات الذين امتهنوا لعبة تهريبها لتحقيق أرباح كبيرة.

وما ضُبط في الخارج لا يختلف عما تحتويه المستودعات في الداخل، الأدوية موجودة بالأطنان، إلا أنها غير متوفرة للشعب. المداهمات التي يقودها #وزير الصحة #حمد حسن في الآونة الأخيرة كشفت المستور، لكن هذه المستودعات هي بمثابة قشرة لما هو أعمق وأخطر.

حتى في المطار، ضبطت الأجهزة الأمنية مراراً كميات من الأدوية المدعومة قبل تهريبها إلى مصر أو العراق أو ليبيا أو دول أخرى.

وقد حذر بعض المتابعين لملف الصحة أن بعض المهربين يبيع الأدوية اللبنانية إلى دول خارجية أبرزها العراق وليبيا، بعضها يكون عبر الحدود وبعضها عبر المطار. وتحدث البعض عن “تجار الشنطة” الذين يجولون على الصيدليات ويجمعون عدداً من الأدوية بهدف تهريبها وبيعها في الخارج بسعر قد يصل إلى 3 و4 أضعاف وبالدولار الأميركي غير المتوفر بسهولة في السوق اللبنانية.

وعن مسألة تهريب الأدوية المدعومة إلى الدول المجاورة، يؤكد سكرية لـ”النهار” أنّ “هناك 3 شركات لتصنيع الأدوية المحلية تصدر أدويتها من أمراض مزمنة وغيرها إلى الخارج لكسب الأرباح، في حين أن السوق اللبناني فارغ منها والمواطن يبحث عن حبة دواء ولا يجدها”.

وأضاف أنّ “احدى هذه الشركات اللبنانية ترسل يومياً 30 ألف علية من الـAspicot البديل عن الاسبيرين بينما هو مفقود في الصيدليات. كما أن دواء الـPrednisone وهو دواء كورتيزون المصنّع في 3 مصانع محلية، مفقود في لبنان لكنه مهرب إلى الخارج.

وعليه، معظم الأدوية المفقودة إما مخزونة لبيعها بأسعار مرتفعة بعد رفع الدعم، أو تهرّب إلى الخارج وخاصة العراق من أجل الفريش الدولار. والخلاصة أن الدواء غير موجود في لبنان، وبالتالي المواطن يدفع الثمن بفقدان الأدوية أو شرائها بأسعار مرتفعة”.

حديث سكرية لا يختلف عن حديث رئيس اللجنة الصحية النيابية الدكتور عاصم عراجي، يقول لـ”النهار” إنه “لطالما نبهنا من التهريب عبر المعابر والكميات التي كانت تُخزن قبل تهريبها ( شأنها شأن المازوت والمواد الغذائية وغيرها) حتى إن بعضها وصل إلى إفريقيا وكندا”.

برأي عراجي أنّ “التهريب ما زال موجوداً وإن بوتيرة خفيفة ويعود سبب ذلك إلى عدم استيراد شركات الأدوية أي كميات جديدة نتيجة خلافها مع مصرف لبنان. وعليه، يعود انخفاض وتهريب الأدوية إلى عدم استيراد الشركات وليس إلى التدقيق على المعابر والحدود. ولكن بعد عودة حركة الاستيراد بعد الحصول على الموافقة من مصرف لبنان يجب متابعة الموضوع بشكل حثيث تفادياً لتهريب الأدوية المدعومة كأدوية أمراض مزمنة وغيرها. في حين يستبعد عراجي “تهريب أدوية الـOTC والصحة العامة التي رٌفع عنها الدعم لأن سعرها بات شبيهاً بأسعار الخارج ولا منفعة ربحية منها كما كانت قبل رفع الدعم عنها”.

وكل ما نشهده اليوم من أدوية في الخارج تعود إلى مرحلة ما قبل رفع الدعم عنها. وبعترف عراجي أن “ليس هناك أرقام توثق عملية التهريب، إلا أنّ الأكيد أنه تمّ تهريب كميات كبيرة من هذه الأدوية إلى دول عدة. وبالتالي معظم هذه الأدوية إما أصبحت خارج البلاد أو مخزنة في المستودعات. وتبقى العبرة في استكمال هذه المداهمات وتفتيش المستودعات الكبيرة التي لم يأتِ دورها بعد”.

وشدد على أنّ “تخزين الناس أدويتها والإقبال على شرائها ليسا سببين أساسين لشح الدواء أو فقدانه كما برّر البعض، لأن المعضلة تكمن في التهريب والتخزين من قبل بعض الشركات المستوردة والتجار بهدف بيع الدواء إلى الخارج والحصول على الدولار”.