لماذا تحرج طهران لبنان وتقرٓبه من العقوبات؟

سابين عويس – النهار

في الوقت الذي بدأ فيه العد العكس لوصول الباخرة ال#إيرانية الاولى المحملة مازوتاً الى الشاطىء السوري، وسط تفاوت في المعلومات بين من قال انها رست في ميناء بانياس، وبدأ تفريغ حمولتها، وبين من قال انها لم تظهر على الرادار، وبالتالي لم يُسجل توجهها الى المياه الإقليمية ال#لبنانية، برز أمس كلام لافت في توقيته ومضمونه لوزير الخارجية الايراني حسين امير عبد اللهيان، يبدي فيه استعداد بلاده لبيع الوقود للبنان وإرساله اليه، في حال طلبت الحكومة اللبنانية ذلك.




يأتي الكلام الايراني المستجد في وقت ثابر وزير الطاقة في حكومة تصريف الأعمال ريمون غجر على نفي تلقي مديرية النفط التابعة لوزارته اي طلب رسمي او ترخيص من اي جهة لاستيراد النفط الايراني. وقد وضع هذا الموقف في إطار سعي لبنان الرسمي الى تحييد نفسه عن هذا الملف الحارق والحساس، انطلاقاً مما يرتبه على البلاد من مخاطر تعرضها للعقوبات الاميركية بموجب قانون قيصر، إذا تمت عملية الاستيراد في شكل رسمي وعبر القنوات الرسمية.

في المقابل، حرص “حزب الله” على وضع مسألة الاستيراد ضمن العلاقة بينه وبين طهران والدعم الذي تقدمه له، مسوقاً لمنافعه بأن الاستيراد سيتم بالليرة اللبنانية ولن يمس بالاحتياطات الموجودة لدى المصرف المركزي.

في كلام عبد اللهيان، اخراج للملف من طابعه الخاص الذي وضعه فيه الحزب الى طابع رسمي من خلال اشتراط طلب لبناني رسمي للاستيراد. ولهذا الكلام مدلولاته وانعكاساته على أكثر من صعيد.

فعلى الصعيد السياسي، تستدرج طهران بيروت الى تنسيق مباشر معها في هذا الملف وليس عبر الحزب، رغم إدراكها الجيد ان لا حكومة اليوم تتمتع بصلاحياتهما التنفيذية، في ظل التعطيل المستمر لتأليف حكومة جديدة. ومن الواضح ان الكلام الايراني سيحرج اي حكومة جديدة وسيفرض موضوع فتح الاستيراد المباشر على جدول أعمالها، رغم ان هذا الامر لا يحظى باجماع لبناني داخلي. والمفارقة ان الموقف الايراني صدر غداة التواصل بين اللهيان ورئيس “التيار الوطني الحر” النائب جبران باسيل الذي هنأه على توليه منصب وزارة الخارجية في الجمهورية الاسلامية، وفي كلامه إشارات واضحة الى استعداد فريقه للتعاون مع طهران لمنع تجويع اللبنانيين. والسؤال، كيف سيتعامل الرئيس المكلف نجيب ميقاتي مع هذه المسألة وهو الذي كان آثر تحييد لبنان عن صراعات المنطقة والحفاظ على العلاقات الودية مع دول المحيط.

على الصعيد السياسي ايضاً، بات معروفا. ان التعاون الرسمي العلني بين لبنان وإيران في ملف النفط سيؤدي الى تعريضه لخطر العقوبات الاميركية في إطار تطبيق قانون قيصر. وما لم يصدر اي استثناء أميركي في هذا الشأن للبنان على غرار ما حصل مع الهند مثلاً او فنزويلا او تركياً فإن العقوبات ستكون حتمية، سيما وان الوضع مع لبنان يختلف، باعتبار ان “حزب الله” مدرج أساساً على لائحة العقوبات، وان اختراقات جديدة له ستعني مزيداً من العقوبات. اما على الصعيد الاقتصادي، فإن اعلان اللهيان، فيما لو أخذ طريقه نحو التنفيذ، سيفرض طهران لاعباً جديداً على ساحة سوق استيراد النفط، ويكسر الاحتكارات إلقاؤها منذ عقود لشركات تتقاسم هذه السوق وتتحكم بالتوزيع والاسعار، خصوصا إذا ما جاء العرض الايراني للبنان مغرياً في هذا المجال وقابلاً للمنافسة بقطع النظر عن جودة المنتج ومنافسته للمنتجات المستوردة.
والسؤال امام هذه الصورة، ما الذي يدفع طهران للإعلان عن هذا الموقف، وهل ترمي الى احراج لبنان ودفعه الى حسم أمره وموقعه وسياسته الخارجية، خصوصاً وان لبنان يشكل ورقة تفاوضية هامة على طاولة فيينا عند استئناف المفاوضات.

الاكيد ان طهران لمست الاهتمام الاميركي بهذه الورقة من خلال تدخل واشنطن الفوري غداة الإعلان عن استيراد النفط العراقي من قبل الحزب. اذ فتحت الباب امام خيارات اخرى تسقط حصرية الخيار الايراني، عبر الإجازة باستجرار الغاز المصري عبر الاْردن وسوريا، رغم العقوبات المفروضة على دمشق، كما عبر استيراد النفط العراقي، بعدما رفع رئيس الوزراء الكاظمي حجم الفيول المخصص للبنان من ٥٠٠ ألف طن الى مليون طن، وانجاز لبنان المناقصة الاولى عبر منحها لشركة اماراتية لاجراء المقايضة بين النفط الخام والمكرر حاجة لبنان، ما سيزيد ساعات التغذية بالتيار الكهرباؤي بما بين ٥ الى ٦ ساعات يومياً على ما أعلن قبل ايام وزير الطاقة اللبناني.