فارس خشان - الحرة

“ثوروية” نداء “مجلس المطارنة الموارنة” و”تقليدية” تحصين عون – فارس خشّان – الحرة

نداء مجلس المطارنة الموارنة الجديد الذي صدر يوم الأربعاء الأخير، يتّسم بقوة غير مسبوقة. لا يكتفي هذا المجلس الذي يترأّسه البطريرك بشارة الراعي باتهام” قوى اقليمية ومحلية تابعة لها” بالوقوف وراء وصول “لبنان الحرية والسيادة والاستقلال وسلامة الأراضي الى مشارف الزوال” فحسب بل يذهب أيضاً الى دعوة الشعب اللبناني “إلى التصدي لها بما أُوتِي من قوّة، ومهما بلغت التضحيات” وإلى مناشدة “المجتمع الدولي للمبادرة سريعًا إلى احترام القرارات الدولية المُتعلِّقة بلبنان والعمل على تنفيذها بقوّةٍ وحزم”.

مضمون هذا النداء وأبعاده وطريقة ترجمته ميدانياً، كانت محور بحث معمّق، منذ صدوره، عشية حلول الذكرى السنوية الحادية والعشرين لبيان مماثل ضد “الوصاية السورية على لبنان” صدر عن المرجعية نفسها وكانت برئاسة البطريرك الراحل نصرالله صفير الذي يعتبره كثيرون وثيقة تأسيسية وقفت ،لاحقاً وراء دينامية محلية ودولية، أدّت إلى صدور القرار الدولي رقم ١٥٥٩ الذي تمّ على أساسه جلاء آخر جندي سوري من لبنان، في ضوء اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري.




وفي واحدة من جلسات البحث هذه، وقف باحث سياسي مخضرم وطلب، بشيء من الحدّة، تجميد النقاش، معلّلاً ذلك بالآتي:” قد ننهض، صباح غد من النوم، ونرى البطريرك الراعي في بكركي، يقف على خاطر ( رئيس الجمهورية) ميشال عون، ونسمعه، يعلن، مرة جديدة، أنّه ضد استقالته أو إقالته أو محاسبته”.

أَخَذَ نفساً عميقاً وتابع:” ماذا ينفع هذا البيان، سواء دعا الى مواجهة شعبية سلمية أو مسلّحة، أو الى تدخّل دولي دبلوماسي أو عسكري، طالما أنّ البطريرك، المطلوب منه السهر على رعاية تنفيذ هذا القرار، يصر على توفير غطاء طائفته لرئيس الجمهورية الذي نسلّم جميعنا بأنّه لعب الدور الحاسم في تسليم البلاد والعباد والمصير الى حزب الله ومن خلفه الى ايران، وبأنّه متورط حتى أذنيه بضرب اتفاق الطائف؟”.

وفي نغمة تعكس ندماً، تابع هذا الباحث السياسي المخضرم كلامه:” تذكرون أنّني، وقفت، قبل أشهر وراء مبادرة تهدف الى دعم البطريرك الراعي، في ضوء الهجمة التي تعرّض لها، عندما أعلن موقفه الشهير لمصلحة التحييد الايجابي للبنان، فشكلتُ مجموعة عمل اتصلت بلبنانيين معروفين في لبنان وعالم الانتشار، من أجل مراسلة بكركي وإبداء التأييد المطلق لموقف البطريرك، ولكن، لاحقاً، ارتد ذلك سلباً علينا، عندما تحوّل الراعي الى درع لحماية ميشال عون الذي يغطي انحرافات حزب الله في الداخل والخارج”.

وختم قائلاً:”نصيحتي أن نهدأ قليلاً، حتى نتبيّن تطور موقف الراعي من عون، فإذا ثابر على تغطيته، فالأفضل لنا أن نواصل التفتيش عن مهاجر تأوينا نحن ومن بقي من عائلاتنا في لبنان”.

وثابر الراعي، منذ البدء بالمطالبة باستقالة الرئيس ميشال عون، على اطلاق مواقف داعمة لاستمراريته في منصبه، على الرغم من أنّ عون هو الحليف الأبرز ل”حزب الله” الذي يشتبه الراعي ومجلس المطارنة الموارنة بدوره في “تهديم لبنان”.

وقد أدّت مواقف الراعي المدافعة عن موقع عون الى المس بصدقية مواقفه ومطالبه ودعواته “السيادية”، ممّا سهّل للمتضررين النيل منها، والاستخفاف بها، والاطمئنان الى “عقمها”.

وثمّة من يعتقد بأنً مثابرة الراعي على الدفاع عن عون، برّرت لجميع القوى السياسية في لبنان أن تنحسر الى مواقعها الطائفية، من جهة وأبعدت قوى مؤثّرة في المجتمع المدني الذي انتفض في ١٧ اكتوبر ٢٠١٩، فأخذت مسافة من بكركي ومن سائر المرجعيات السياسية-الطائفية، من جهة أخرى.

وحالت مواقف الراعي المرتبطة بعون دون خلق”أداة سياسية” مهمتها ايجاد تفاهم وطني عابر للطوائف، من أجل ترجمة توجّهات بكركي في الحياة السياسية اللبنانية، خلافاً لما كان قد حصل، بعد صدور نداء مجلس المطارنة الموارنة، قبل واحد وعشرين عاماً، حين جرى تشكيل “لقاء قرنة شهوان” الذي لعب دوراً وطنياً ضد “الوصاية السورية”، تحت جناح بكركي.

ويرى أكثر من سياسي لبناني أنّ البطريرك الراعي اذا لم يرفع “حصانته” الطائفية عن عون، فهو لن يجد أيّ ترجمة ميدانية لدعواته، فالقوى الشعبية المطلوب منها التصدّي ل”حزب الله” هي مناوئة لميشال عون، بالزخم نفسه، وهي يستحيل أن تسترشد ببطريرك “يعادي” الحزب ويدافع عن عون، في آن، كما أنّ المجتمع الدولي لن يضع إمكاناته لتنفيذ القرارات الدولية “بقوة وحزم” إذا لم يجد، في الواجهة، قوى شعبية تبذل من أجل ذلك الغالي والنفيس.

وعليه، فإنّ البطريرك الراعي وحتى يرى دعواته تنتقل من الورق الى الميدان، عليه أن يبادر، مهما غلت التضحيات، الى إسقاط “حصانة” الكنيسة المارونية عن عون، لأنًه، حينها، سوف يجد قوى شعبية من جميع المكوّنات الطائفية في لبنان، تلتف حول دعوة بكركي الأخيرة.

وفي لبنان، كما بيّنت التجارب الكثيرة، يستحيل تحقيق أيّ إنجاز وطني اذا لم تتحلّق حوله قوى متنوّعة الانتماء الطائفي.

وقد تكون الحماية التي يوفّرها الراعي لعون، أحد أسباب ارتفاع الخطاب الطائفي في البيوت السياسية الأخرى في لبنان، وأهمّها البيت السني، بحيث بدأ يتكوّن، في مواجهة منطق “حقوق المسيحيين” في النظام، منطق “مظلومية المسلمين السنّة” الذين يجدون أنّ عون وخلفه “حزب الله” يحاولون تحويل موقع رئاسة الحكومة الى “خرقة في مهب الريح”.

وهذا الصدام في بلد فقد فيه جميع المواطنين إلى أي طائفة انتموا أدنى حقوقهم، لا يمكن أن ينتج سوى مساعدة “القوى الخارجية والمحلية المرتبطة بها” على الذهاب بمشروع تدمير لبنان حتى إنجاز الهدف المرسوم.

تأسيساً على ذلك، إنّ “نداء مجلس المطارنة الموارنة”، على أهميته، تنقصه خطوة واحدة اسمها الاعتراف بالدور الذي يلعبه ميشال عون لمصلحة “حزب الله” في لبنان، والتعاطي معه على أساس أنّه” قوة محلية مرتبطة بقوى اقليمية” تريد تدمير لبنان، وفق أدبيات البيان الأخير لمجلس المطارنة الموارنة .

وحتى تلك الساعة سوف يبقى شعار المراقبين، مع فائق الإعتذار من آل جعجع الكرام :”أسمع جعجعة ولا أرى طحناً”.