مروان اسكندر - النهار

ثقافة القراءة – مروان اسكندر – النهار

دراساتنا في الكليات الثانوية والجامعات المحترمة تثبت في مفهومنا لتقويم الاوضاع العامة، الاحساس بان الحكم في اي بلد يجب ان يحظى بتقبّل اهل البلد المعني وتجاوبهم مع قرارات القيادات السياسية.

الدراسات المدرسية تزوّدنا مفهومًا لتحليل الاحداث والتحولات في الحكم، وقد ترسخت في نفسي والرفاق في الثانوية العامة، والجامعة الاميركية، وجامعة اوكسفورد قناعة بان التمثيل الديموقراطي اساسي للنمو الاقتصادي ونمو الانسان.




لقد باشرتُ الكتابة حول الشأن الاقتصادي والانمائي منذ عام 1966 بعد عودتي من جامعة اوكسفورد حيث أمضيت ثلاث سنوات بمنحة من مجلس الثقافة البريطاني، وكانت الصحافة البريطانية تُعتبر من الافضل عالميًا ومجالات التعبير عن الرأي متاحة سواء عبر كتابة المقالات، او القاء خطب سياسية في مناطق عامة، او خلال برامج تلفزيونية مخصصة للشأن العام، وقد تميز معلّقون بريطانيون أصبح عدد منهم إما رؤساء تحرير #صحف او مجلات متخصصة وإما وزراء مسؤولين.

أكبر فضيحة في بريطانيا تناولت وزيرًا للدفاع بسبب علاقته بشابة جميلة كانت على علاقة بملحق سياسي روسي، وفقد وزير الدفاع هذا منصبه وتوجه الى الاعمال الخيرية الدينية. هكذا كانت اخلاق السياسيين.

فترة الستينات شهدت في لبنان خطوات صحافية وفّرت لبعض الصحف اللبنانية اهمية اقليمية. فعلى سبيل المثال كانت التعليقات السياسية اليومية للراحل ميشال ابو جوده في “النهار” هي اول ما يصرّ على قراءته الرئيس جمال عبد الناصر الذي كان ولو لوقت غير قصير الزعيم العربي الذي يحظى بأوسع شعبية، وكان ذلك قبل خسارته حرب عام 1967 وبعد مواجهته انفصال الوحدة مع سوريا التي انجِزت في شباط 1958 ومن ثم زوالها في ايلول 1971.

وعلى مستوى منافسة السياسات “العسكرانية” كانت جريدة “الحياة” تحمل العبء الاساسي في مخالفة سياسات عبد الناصر، وكان الراحل كامل مروه، مؤسس “الحياة” يسطّر أكثر من مقال مختصر كل يوم، وانتقاداته التي كان يحتج عليها الناصريون، كانت تندد بالسياسات القومية المستندة الى سيطرة العسكر على الحكم خصوصا في مصر البلد العربي الاعرق، والذي كان يزيد عدد سكانه على مجموعة البلدان العربية في الخليج. وقد اغتيل كامل مروه من ناصريّ متحمس في لبنان عام 1965.

لقد كنت أتابع الصحافة العربية والصحافة البريطانية وبخاصة جريدة “الفايننشال تايمز” التي ما زالت تعدّ بين أميز الصحف الاختصاصية، ولسيدة لبنانية مقتدرة اليوم مسؤولية كبيرة في ادارة هذه الصحيفة واختيار المواد والمقالات الاكثر اتصالًا بحاجات الناس والمؤسسات وضرورات ضبط التضخم والحفاظ على النمو.

خلال فترة الستينات اخترت مباشرة الكتابة بعد تسبب ادارة المصرف المركزي، حينئذٍ، التي بالكاد كانت قد انقضت سنتان على وجودها، وتخصيص رئاستها بفيليب تقلا الذي كان رجلاً متميزًا بأخلاقه وتاريخه السياسي، وإنْ كان بعيدًا عن العمل المصرفي، بانهيار بنك انترا.

وبنك انترا الذي اسسه الراحل يوسف بيدس كشركة تجارية في اوائل الستينات والذي تحول الى مصرف ومن ثم حقق نموًا ملحوظًا بحيث اصبح البنك الاكبر وصاحب مواقع عقارية مهمة في نيويورك، ولندن، وباريس، وجنيف وروما، وقد عانى البنك من نقص في السيولة ومن دسّ على سمعته خصوصا من مصرفيين آخرين، فأقر مصرف لبنان توفير السيولة وطلب من بنك انترا تأمين مستندات ملكية في عدد من الملكيات المتوافرة، الامر الذي حصل، لكن الحاكم الفعلي للبنك المركزي، والذي كان قبلاً نائب الحاكم وقبل ذلك المدير العام لبنك سوريا ولبنان، أخّر تنفيذ العملية بحيث توسعت شبكة المشككين بمستقبل انترا، فأفلس البنك.

كنت وحيدًا في المرافعة عن بنك انترا ويوسف بيدس، واشرت الى تسليفات اكبر وفّرت من البنك المركزي للبنك البريطاني، لكن واقعة الإفلاس تحققت وتوفي يوسف بيدس في سويسرا وذهبت الى حضور جنازته من دون معرفة سابقة، ومن بعد تأسست شركة انترا للاستثمار لادارة موجودات الشركة التي اصبحت تزيد على ملياري دولار وهي شركة استثمار ناجحة.

خلال اكثر من خمسين عامًا استمررت بكتابة التعليقات الاقتصادية وإنجاز دراسات موسعة لحكومات، ومؤسسات دولية تعمل في حقل النفط والكيماويات، ونشرت 25 تقريرًا عن الاقتصاد اللبناني و20 كتابًا، آخرها كتاب عنوانه Lebanon’s Six Years of Darkness 2014-2020 “ست سنوات من العتمة على لبنان 2014-2020″، وحيث ان الكتاب يبين الاخطاء البارزة للعهد الذي نعاني منه فقد عرضت لمشاكل الكهرباء منذ 10 سنين، وتهريب المشتقات النفطية الى سوريا منذ 2015، وإضعاف الخدمات الهاتفية والالكترونية، واهمال حاجات اللبنانيين لنظافة البيئة والمياه والتي حظيت بمعونة ملحوظة من البنك الدولي.

وحيث ان محاولاتي لاستنهاض الحكم والحكام تبخرت في فضاء النسيان المتعمد، وجدتُ في مقال المرجع الدستوري والنائب السابق الذي بلغ سن الثامنة والتسعين حسن الرفاعي، المقال الاهم منذ عشرين سنة حول الحياة السياسية وبالتالي الاقتصادية في لبنان، والحقيقة ان اهمال مقاله القيّم والمستند الى علم دستوري نادر امر يتنافى مع المسؤولية الوطنية لكل فرد منا، وهو ينهي المقال بالمقطع الآتي:

“إن غياب موقف وطني واضح من تطاولات رئيس الجمهورية وفريقه على النظام والدستور ورئاسة الحكومة يعيدنا الى اجواء تشنج ما قبل 1975 ويفتح الباب واسعًا امام المزايدات الطائفية الشعبوية من كل حدب وصوب، مما يقود الى مزيد من تشظي الوطن وهجرة ابنائه وربما يفرض مؤتمرًا تأسيسيًا: هكذا يفرغ لبنان من معناه ومن اهله.

مرة اخرى ليست المشكلة بالدستور وبالنظام بل بالرجال وعقلية التسلط والانانية عندهم وبغياب الحس الوطني كما سبق و#كتبت في العدد الخاص من “النهار” الصادر في تاريخ 27 ايلول 2018.