الإيجابية “المصطنعة” تبدّدت: لا حكومة

غادة حلاوي – نداء الوطن

فيما كان الجميع يقنع نفسه بأن الحكومة على قاب قوسين او ادنى، انقشعت الرؤية ليتبين ان الدخان الابيض الذي تصاعد في الاجواء لم يكن الا سراباً. فصل جديد من فصول الفشل الحكومي الذي أعقب تفاؤلاً وصل بأصحابه حد التبشير بولادة حكومة في غضون ساعات، قبل ان يلغم هؤلاء توقعاتهم بعبارة “متى صفيت النوايا”، في محاولة لضمان “خط الرجعة” عقب كل اجواء ايجابية تسود في الافق الحكومي.




لكن النوايا لم توافق حساب البيدر، لتتبدل معطيات الايجابية بأخرى تؤكد ان التعقيدات لا تزال على حالها، بدليل حرب البيانات التي عادت تتسيد الموقف مجدداً وتعيد المشهد الحكومي الى بداياته.

حتى ساعات بعد ظهر أمس كان الجميع يؤكد ان الاجواء جيدة والحكومة ستبصر النور يوم غد السبت كحد اقصى والا “ثبت ان التعطيل ليس لأسباب داخلية لان الحجج الداخلية قد تم تذليلها، اي الخلاف حول وزارتي الاقتصاد والشؤون وقد تم توزيع الوزارت بما يؤمن تمثيلاً للجميع في خمس وزارات معنية، بالمفاوضات مع صندوق النقد ليكون الجميع شريكاً في قرارات الدولة المالية والاقتصادية. وقالت مصادر مطلعة على سير مباحثات الحكومة ان لا ذرائع تحول دون تشكيل الحكومة بعد مساعٍ بذلت خلال الساعات الاخيرة لتقريب وجهات النظر، ساهم بشكل كبير فيها النائب وائل ابو فاعور، ما دفع رئيس “الحزب الاشتراكي” وليد جنبلاط الى ارجاء مؤتمره الصحافي افساحاً في المجال امام مزيد من المشاروات، كذلك التقى ميقاتي النائب علي حسن خليل موفداً من رئيس مجلس النواب نبيه بري. وكان المرجح ان يزور ميقاتي بعبدا وفق ما قاله لأحد المقربين على اساس ان الامور صارت في خواتيمها.

غير ان بيان رئيس الحكومة المكلف ورد بعبدا قلبا المعطيات وأعادا خلط الاوراق الحكومية، ليكونا مؤشراً الى فشل تشكيل الحكومة ويطرحا علامات استفهام حول الاسباب الموجبة للتصعيد، فتوضح مصادره ان البيان جاء رداً على مصادر بعبدا “التي حاولت رمي تهمة التعطيل على الرئيس المكلف الذي لم يزر بعبدا، فيما ينتظر عون زيارته واتهامه بتبديل الاسماء باستمرار وهو ما ليس صحيحاً على الاطلاق”. غير ان بعبدا فوجئت بما صدر عن ميقاتي وظن المقربون للوهلة الاولى ان المقصود بالبعض الذي حوّل التشكيل الى بازار رئيس الحكومة السابق، قبل ان يبدأ الحديث عن أن استشراف رد فعل الرئيس المكلف، لن يجدي نفعاً وانه لم يلزم بأمر نهائي مع احد ليتبين ان المقصود الغمز من قناة رئيس الجمهورية. واستلزم البيان بياناً بالمقابل يؤكد تمسك بعبدا بأصول التشكيل لتكرر ما سبق واعلنه عون “اكثر من مرة بأنّه لا يريد، لا بصورة مباشرة ولا بصورة غير مباشرة، الثلث الضامن”، وان مثل هذا الكلام غايته تضليل الناس.

ومن وجهة نظر المقربين لبعبدا ان ميقاتي ومن خلفه لا يريد اي شراكة في المفاوضات المستقبلية مع صندوق النقد، يريد بالشراكة مع بري ان يمتلك القرار المالي والاقتصادي ووضع اليد على الشؤون للمساعدات، وان المعركة الاساسية هي مع نادي رؤساء الحكومات بما يمثل. لم يركب البازل الحكومي مع ميقاتي، اسبابه المعيقة باتت اكثر من ان تحصى، ربما سبب له القرار السعودي ببيع عقارات الحريري نقزة رافقها الفيتو السوري وانعدام الرؤية الاميركية تجاهه، ناهيك عن الازمات الداخلية والباخرة الايرانية ورفع الدعم.

وفضحت حرب البيانات المتبادلة بين الرئيسين حفلة الفولكلور التي شهدتها الايام الثلاثة الماضية لتكشف ان العلل لا تزال هي ذاتها، واساسها الخلاف المستمر على الوزيرين المسيحيين منذ ان كان الحريري مكلفاً ورفض مشاركة عون بتسميتهما، ناهيك عن تحول حقائب كالشؤون والاقتصاد الى حقائب سيادية لارتباطها بالمساعدات الدولية الموعودة والمفاوضات مع صندوق النقد، ناهيك عن عملية التبديل المتواصلة بالاسماء المرشحة لتولي حقائب وزارية والتي لم تكن ثابتة، وبعضها طرح على سبيل المناورة وكانت آخر مسودة حكومية شملت من الاسماء ما يلي: عن الشيعة: علي حمية (الاشغال)، مصطفى بيرم(العمل)، يوسف الخليل(المالية)، عباس الحاج حسن (الزراعة)، القاضي محمد مرتضى للثقافة (الثنائي الشيعي)، عن الدروز عباس الحلبي (التربية)، عن “المردة” جوني القرم (الاتصالات) وجورج قرداحي (الاعلام)، الارثوذكس سعادة الشامي القريب من القومي والذي سبق وضمّه الحريري في تشكيلته الحكومية (نائب رئيس حكومة)، وليد فياض (الطاقة)، مروان ابو فاضل تم اقتراحه أكثر من مرة ولاكثر من حقيبة ليشطب اسمه نهائياً، موريس سليم للدفاع، بسام مولوي للداخلية وهو مقرب من الحريري، وفراس الابيض وناصر ياسين. رفول البستاني استبدل باسم آخر (لوزارة الشؤون الإجتماعية من حصة عون)، وكذلك ريمون طربيه ونجاة صليبا، هنري خوري (العدل) بدل ريتا كرم التي استبدلت لاعتراض فرنجية كونها من زغرتا، عبدالله بو حبيب الذي شطب اسمه لاكثر من مرة ثم صار ثابتاً، وزارة الاعلام كان مقرراً ان تسند الى الاقليات ويتولاها حبيب افرام بعدما كان طرح اسم باسكال مونان المقرب من الفرنسيين، لكن اعتراض الاقليات كان رجح كفة مايا بولس التي طرحها احد المطارنة. وكان طرح اسم قرداحي للاتصالات لولا نصيحة اخذ بها “المردة” لكونه ليس صاحب اختصاص، فتم قلب الوزارات فصار قرداحي للاعلام والقرم للاتصالات، والصناعة مختلف عليها وقد تمّ تداول اكثر من اسم ورفضت، رفض رئيس “الحزب الديمقراطي” طلال ارسلان حقيبة المهجرين مفضلاً عليها اي حقيبة اخرى، فرست حصته على الشباب والرياضة بعد ان كانت من حصة غيره. وهكذا دواليك وعلى هذا المنوال تتشكل الحكومة، اعتراض على اسم او حقيبة يحدث تغييراً في كامل التشكيلة الى ان بات مستحيلاً ان تخرج تشكيلة يرضى عنها الجميع، لاختلاط الحقائب باعتبارات سياسية واقتصادية.

وأكثر من ذلك فقد تعددت الجهات المعنية بتشكيل الحكومة فالى رؤساء الحكومات السابقين ومونتهم على ميقاتي، فالدور الفرنسي لا يزال حاضراً وكذلك للمصريين دورهم والسفير المصري له في مشاورات التكليف حصة من خلال ابداء النصح. كل هذا يحصل على حكومة لن يزيد عمرها على اربعة اشهر تسبق الانتخابات النيابية هذا في حال تم التوافق على بيانها الوزاري. ورغم ذلك فقد تعثرت ولادتها والتعويل على بداية الاسبوع وما ستحمله الايام المقبلة من اتصالات لعلّ وعسى.