على قارعة السرطان نبكي سياسيو لبنان: أنتم الأخبث فانصتوا جيداً لهذا الخراب!

ندى حطيط – القدس العربي

كأنّه سفينة تايتانيك شرقيّة، هذا الوطن الذي وصف يوماً بقطعة سماء، لبنان الذي يهوي إلى قعر بحر حالك السواد، ويتساقط أبناؤه من ركاب الدرجتين الثانية والثالثة إلى أقدارهم البائسة، حسب مدى قرب غرفهم من الحافّة، بينما طبقته الحاكمة، الملتصقة بالكبائن الفاخرة، مستمرّة بالاستماع إلى عزف الموسيقى، وكأنّهم لا يصدّقون بأنهم، وهم الذين بنوا مجدهم على جبال من أرواحنا، سينتهون معنا إلى ذات القعر – نحن بقيّة اللبنانيين وأكثريتهم المنكوبة – عندما يُستكمل غرق السفينة، وننتقل جميعنا إلى ذمّة التاريخ.




وطن قيد الذبح على قارعة هواء مباشر

لا يحدث ذلك في أعالي البحار، أو ما وراء الأفق، بل ينقل على قارعة هواء مباشر لشاشات تلفزيون أتقن رعاتها المتاجرة بالموت المجانيّ لحدّ التخمة، وتفننوا في استعراض عوز البائسين، وتعاسة المنكسرين حتى أصبحنا نخشى منهم إن استيقظوا يوماً ولم يجدوا أحداً منا تبقى على قيد الحياة ليستعرضوا ضعفه وهوانه وقلّته على الناس، فسيمضون إلى جثثنا المتناثرة، لزوم التصوير وملء ساعات البث المهدور.
في لبنان، يُراد – وهذا ليس سراً ولا مدعاة للجدل – للأغلبيّة أن تعافر شظف العيش ما قبل الحضارة: بلا كهرباء ولا خدمات ولا تعليم ولا قدرة حتى على التنقل.
يُراد للبنانيّ – من ركاب تايتانيك الشرق في الدرجتين الثانية أو الثالثة – أن يجوع فلا يجد طعاماً، أن يعطش فلا يجد ماء، أن تُظلم دنياه فلا يجد نوراً، وإن مرض فلا يجد دواء. فليغرقوا جميعهم، أولئك الزائدون عن الحاجة، الذين ينجبون كثيراً دونما تخطيط، في لجّة دوامة هائلة، إن لم تأكل أموالهم، أكلت أعمارهم، وإن لم تسحق الأجساد منهم، أسمقت أرواحهم.

عن نظام هبة الاستعمار

عندما يتابع الآخرون على شاشاتنا سيرة غرق لُبناننا – السفينة المثقوبة، يسارع كثيرون إلى لوم الأغلبية المسكينة على قدرها اللعين الذي تزدرد. فكيف يتقبل ملايين من الناس معاً العيش بلا كهرباء لساعات غير قليلة في اليوم، أو انتظار طابور المحروقات لملء خزّان السيارة مع احتمال التعرّض لإطلاق رصاص من أسلحة متفلته عند نفاذ صبر أحدهم، أو التعايش مع فقدان الدّواء من الصيدليات، أو فشل العمليّة التعليميّة، أو انقطاع المواد الأساسية، أو انتشار المنتجات الفاسدة والمسرطنة، كل ذلك دون أن يعمدوا إلى الغضب واقتلاع الطبقة الحاكمة من جذورها؟
فهل أدمنت الذلّ واستكانت له ونامت في سريره؟
فناسنا اليوم أحدهم كمثل طائر سجيّ للذبح. يرى موته المحتّم بعينيه فيغلبه الذعر وتغادره العقلانيّة ويسرقه الحقد على بقيّة الأطيار التي تركته تحت السكين دون أن تمدّ له العون. لكن هيهات: فهل لطائر يذبح أن يُعين طائراً يذبح؟
اللبنانيّ «المعتّر» اليوم نتاج وضحيّة منظومة شديدة التعقيد والخبث، بناها الاستعمار في لحظة غيبوبة وتخلّ من أهل هذه المنطقة شرق المتوسط على هيكل من ثلّة مذعورين ظنّوا أن درعهم رسوم المستعمر، أو قبضة من طامعين عزموا على بيع العالم برمتّه إلى الشيطان من أجل مصالحهم الفرديّة. النظام الذي نشأ قبل مئة عام ما زال يتوالد ويعيد إنتاج ذاته جيلاً بعد جيل، رغم أن المستعمر الذي أبدعه تضاءل منذ عقود. حتى لم يعد يملأ العين ولا القلب على طاولة اللاعبين الكبار.

يا جبران فاشهد على موتنا

هناك، في حديقة عامّة صغيرة بالقرب من مبنى الأسكوا في قلب بيروت – جوار ساحة رياض الصلح – سُميّت باسم جبران خليل جبران، صاحب «النبيّ» الذي قام من موته ليعود إليه، في مواكبة لرفاقه في الوطن الذين يموتون صباحاً ومساء وقبل الغداء وبعده وقبل الدواء وبعده وقبل السرطان وبعده.
هناك وعلى الهواء المباشر تجمّع الذلّ وارتدى وجوهاً متعبة، وجوهاً سقط شعرها ونبت في فروة رأسها غضباً لا يستكين، مرضى سرطان لبنانيون. يتأبطون معاركهم الطويلة القاسيّة مع المرض الأخبث، بدت عيونهم أكثر حقداً ووجعاً. كانوا تداعوا للتظاهر ضد منظومة تلاقت أضدادها على حرمانهم من العلاج، وهم أضعفنا وأكثرنا حاجة. فكأن الأمر عند طائفة الحاكمين بأمرهم خدمة نقل عام سيئة، فإن لم يحالفك الحظ عزيزي المواطن للالتحاق بالحافلة الأولى، فانتظر الثانية أو الثالثة لعلّ وعسى «مريض السرطان لا يمكنه الانتظار». هكذا قالت إحدى اللافتات. وجبران، صاحب الحديقة، كان وقتها يذرف الموت مرات ومرات.

عن تشخيص أمراضنا: هذا قاتلنا

عندما اكتشف هؤلاء الذين يخوضون حربهم الشرسة ضد السرطان مرضهم لأوّل مرّة ظنّوا أن معركتهم الأهم في حياتهم ستكون ضدّ عدوّ استوطن أجسادهم وينهش أرواحهم، لكنّ مواجهته على قسوتها قد تكون ممكنة. هكذا قال لهم الأطباء، الذين لم يصدقوهم القول. لم يخبرهم هؤلاء بأن قاتلهم الحقيقيّ يأخذ شكل نظام حاكم أخبث من المرض الخبيث بألف مرّة، ولا هم حدّثوهم بأن مقاومتهم ستكون بلا معنى إن هم تُركوا لحظة لأهواء الحاكمين.
لحظة جبران الأسبوع الماضي مضت ربّما كغيرها من لحظات وجعنا الجمعيّ في قلب الكارثة. انتقلت إلى أرشيف التلفزيونات، ولم تسفر عن شيء. وحتماً لن تسفر عن شيء. فبين ركاب الدرجة الأولى المرفهين الذين يستمعون للألحان الشجيّة وحكايات الغرام، وبقيتنا نحن ركاب الدرجات الأخرى الذين نصارع من أجل النجاة في معركة محسومة لصالح البحر، فجوة أكبر من سفينة الوطن المزعوم بمرّات. نحن نراهم أنيقين وكباراً، وهم لا يروننا إطلاقاً. هم يتنافسون على المليار التالي ونحن نتنافس على الذلّ التالي. وهم يدعو لهم رجال الدين أيّام الجمعة والآحاد، ونحن ندعو على تعاستنا الدائمة كل أيّام الأسبوع. ومع ذلك، فعندما تنتهي تايتانيك الشرق في القعر، سنلتقي جميعاً على صعيد موت واحد. أنصتوا جيّداً لهذا الخراب. إذا كنتم لا تسمعون صوت موسيقى العازفين، فأنتم معنا هنا في الدرجة الثانية أو الثالثة. تمسكوا جيداً، وتبسموا، فأنتم على الهواء مباشرة.