قاسم سليماني جديد.. من هو حاجي زادة قائد القوة الجوية بالحرس الثوري الإيراني ومهندس برنامج الصواريخ؟

في ظل تصاعد الحرب المتقطعة بين إيران وإسرائيل يبدو أن هناك اسماً إيرانياً جديداً بدأ يتردد بقوة، فما قصة أمير حاجي زادة، قائد القوة الجوية بالحرس الثوري الإيراني، الملقب بسليماني الجديد؟

الجنرال قاسم سليماني قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني كان يعتبر الرجل الثالث في إيران، ومثّل اغتياله بضربة صاروخية أمريكية وبمساعدة الموساد الإسرائيلي حدثاً ضخماً لا تزال تداعياته قائمة، وبالتالي أن يلقب أي شخص باسم “سليماني” فهذا مؤشر على مدى تأثير ذلك الشخص.




موقع Middle East Eye البريطاني تناول قصة “سليماني الجديد”، في تقرير له رصد حياة العقل المدبر للطائرات المسيرة الإيرانية والقائد الحالي للقوة الجوية التابعة للحرس الثوري.

بيني غانتس يسلط الضوء على حاجي زادة

شهدت الأسابيع الأخيرة تردد اسم إيراني واحد على شفاه المسؤولين الإسرائيليين، وهو الجنرال أمير علي حاجي زادة. ويُقال إن قائد القوة الجوية في الحرس الثوري الإيراني يتحمَّل المسؤولية الشخصية عن قدرات طهران المتنامية للطائرات المُسيَّرة وهجماتها المزعومة على عددٍ من السفن المرتبطة بإسرائيل، وآخرها ناقلة ميرسر ستريت في خليج عمان.

وقال وزير الدفاع الإسرائيلي بيني غانتس، إن “أمير علي حاجي زادة، قائد سلاح الجو في الحرس الثوري الإيراني، يقف وراء عشرات الهجمات الإرهابية في المنطقة، مستخدماً فيها طائراتٍ مُسيَّرة وصواريخ”.

حتى إن بعض المسؤولين الأمنيين والمحلِّلين والمراقبين الإسرائيليين يعتقدون أن حاجي زادة هو “قاسم سليماني الجديد”، فهو جنرالٌ في الحرس الثوري الإيراني يرسم السياسة الإيرانية ويتمتَّع بثقة المرشد الأعلى لإيران.

ورغم أنه لم يصل إلى مكانة سليماني، الذي اغتالته الولايات المتحدة في غارةٍ بطائرةٍ مُسيَّرة، بمساعدة الموساد الإسرائيلي، ترتقي مكانة حاجي زادة مع ذلك في الداخل والخارج. ومع تزايُد استخدام إيران وحلفائها للطائرات المُسيَّرة في العمليات العسكرية في جميع أنحاء الشرق الأوسط، أصبح الجنرال حاجي زادة عدواً أخطر على أعداء إيران.

من هو حاجي زادة؟

رغم أن حاجي زادة وُلِدَ في طهران عام 1962، جاء والداه في الأصل من مدينة كرج، التي تقع على بُعدِ 50 كيلومتراً من العاصمة. ومثل العديد من كبار قادة الحرس الثوري انضمَّ إلى “الوحدة الخاصة” الوليدة عام 1980، مع اندلاع الحرب العراقية الإيرانية. ويُقال إنه انتقل بين جبهاتٍ عديدة خلال الصراع المُرهِق الذي دام ثماني سنوات.

ورغم أنه تدرَّب وقاتَلَ في دور القناص، كان حاجي زادة تابعاً أيضاً لفرقة مدفعية الحرس الثوري، وتقرَّب من الجنرال حسن طهراني مقدم، المعروف بالأب الروحي لبرنامج الصواريخ الإيراني. وصرَّحَ قائدٌ عسكريٌّ سابق لموقع Middle East Eye البريطاني، بأن مقدم كان مسؤولاً شخصياً عن ترقية حاجي زادة في مراتب الحرس الثوري.

وقال: “عندما ذهب مقدم و12 شخصاً آخر في مهمةٍ مدتها ثلاثة أشهر إلى دمشق، في العام 1984، ليتلقوا تدريباً على يد الجيش السوري على إطلاق صواريخ سكود بي، التي تلقَّتها إيران من ليبيا، اقترح مقدم على كبار القادة أن ينظِّم حاجي زادة أول وحدة صاروخية -واسمها “حديد”- قبل أن يعود من سوريا لقيادة الوحدة بنفسه”.

منذ ذلك الحين، صار حاجي زادة شخصيةً رئيسيةً في برنامج الصواريخ الإيراني، فضلاً عن دوره المهم في سلاح الجو التابع للحرس الثوري، الذي تشكَّل عام 1985.

القائد الأعلى للدفاع الجوي في الحرس الثوري

كان على حاجي زادة الانتظار حتى العام 2003 ليُعيَّن في منصب القائد الأعلى للدفاع الجوي للحرس الثوري. وبعد توليه المنصب سرعان ما بدأ التركيز على إنتاج أنظمة صواريخ الدفاع الجوي.

وقال حاجي زادة في وقتٍ سابقٍ من هذا العام: “عندما انضممت إلى القوة أدركت أنها أعقد بمئات المرات من صواريخ أرض-أرض، وشعرت أنه من المستحيل إنتاج أنظمة دفاع جوي”.

وبحسب حاجي زادة، عَرَضَ الروس على إيران أن تشتري منهم أنظمة صواريخ بوك، وسافَرَ عددٌ قليلٌ من الوفود الإيرانية إلى موسكو، لكن المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي شجَّع الحرس الثوري في المقابل على إنتاج أنظمة الصواريخ الخاصة به. وقال حاجي زادة: “أُلغِيَ الشراء، وركَّزنا على إنتاج أنظمة إيرانية الصنع، وأسفر ذلك عن إنتاج أنظمة سوم خرداد، وتاباس، ورعد”.

وفي عام 2009، قرَّرَ خامنئي توسيع نطاق سلاح الجو، وترتَّبَ على ذلك تغيير قسم الفضاء إلى قوة الفضاء، التي أصبحت مسؤولةً عن تطوير واستخدام الصواريخ في الجمهورية الإسلامية، وعيَّن حاجي زادة قائداً للقوة.

وفي مقابلةٍ مع وسائل الإعلام المحلية في عام 2018، وصف حاجي زادة تقديم خطط تطوير الصواريخ لخامنئي: “قال: ما قلته جيِّد، لكن أولويتي هي دقة الصواريخ”. وأضاف: “في ذلك الوقت كنَّا نعمل على مدى صواريخنا بينما كانت تواجه معدَّل خطأ مرتفعاً. وعندما قال المرشد الأعلى ذلك، حاولنا لمدة ثلاثة أشهر، ووصلنا إلى النتيجة المرجوَّة، وبعد ذلك وصلنا إلى أدنى معدَّل خطأ ممكن”.

أحد رموز التيار المتشدد الرافض للاتفاق النووي 

وجدت قوة الفضاء في ظلِّ قيادة حاجي زادة نفسها في خضم فضيحة دبلوماسية في مارس/آذار 2016، تماماً في الوقت الذي بدا فيه أن العلاقات بين الجمهورية الإسلامية والغرب قد وصلت إلى آفاقٍ جديدة في أعقاب الاتفاق النووي (خطة العمل الشاملة المشتركة).

خلال تدريباتٍ عسكرية، أطلق الحرس الثوري صاروخين باليستيَّين كُتب عليهما “يجب محو إسرائيل من على وجه الأرض” بأحرفٍ كبيرة من الجانبين.

وقال الحرس الثوري إن الصواريخ، التي يبلغ مداها ألفي كيلومتر، مُصمَّمة لمواجهة التهديد الإسرائيلي، لكن في ذلك الوقت اتَّهَمَ العديد من الإيرانيين الحرس الثوري بمحاولة تفجير الاتفاق النووي من خلال دسِّ توتُّرات.

لكن حاجي زادة رفض مثل هذا التوصيف بقوة، وأصرَّ على أن التجارب الصاروخية لا علاقة لها بالاتفاق النووي. ووصف الرسالة المكتوبة على الصواريخ بأنها “لمسةٌ من المقاتلين”، وأشار إلى أنه “من الشائع” كتابة عباراتٍ مستوحاة من تصريحات المرشد الأعلى على الصواريخ. ومع ذلك، فإن ذلك لم يجنِّبه الانتقادات.

اتَّهَمَ علي مطهري، النائب المعتدل السابق الذي كان والده كبير المنظِّرين للجمهورية الإسلامية، الحرس الثوري ذات مرةٍ بشكلٍ غير مباشر بإلحاق الضرر بالاتفاق النووي من خلال إطلاق الصواريخ.

استمرَّت الخلافات وراء الستار، وأصرَّ الرئيس السابق حسن روحاني ووزير الخارجية السابق محمد جواد ظريف، مراراً، على أن الاتفاق النووي أزال خطر الحرب، بينما أعلن حاجي زادة أن هذه كذبة. ومما لا يثير الدهشة أن بديل روحاني المتشدِّد، إبراهيم رئيسي، حظي باستقبالٍ أكثر دفئاً، ووصف حاجي زادة إدارة رئيسي بأنها “أول حكومة إسلامية بالكامل”.

الوجه الجديد للحرس الثوري

ومع الضجة على مستوى القدرات الصاروخية، كان حاجي زادة أكثر من مجرد قائدٍ في الحرس الثوري، لقد كانت مجاهرةً من الحرس الثوري بقوته وقدراته. ففي عهده، أطلقت إيران صواريخ على مواقع تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا، وأسقطت طائرة استطلاع أمريكية مُسيَّرة في الخليج، وقصفت قاعدةً عسكريةً في العراق تستضيف جنوداً أمريكيين.

ولعل الأكثر إثارةً للجدل، على الأقل داخل إيران، هو استخدام القوة الجوية لـ”مدن الصواريخ”، وهي مخازن صواريخ يُقال إن بعضها موجودٌ تحت المناطق الحضرية أو بجانبها. ويتفاخَرَ حاجي زادة بأن “في كلِّ جغرافيا إيران لدينا هذه المدن، أينما كان هناك جبلٌ”. وبحسب الجنرال، فإن نسبةً من الصواريخ رأسيةٌ و”جاهزةٌ للإطلاق” على الدوام.

لم تؤدِّ استراتيجية حاجي زادة لزيادة عدد مدن الصواريخ والترويج لها في وسائل الإعلام إلا إلى زيادة الاهتمام الذي يحظى به، وأيضاً جلب الثناء من جانب خامنئي. لكن إحدى مناورات حاجي زادة دفعت إيران إلى حالة حربٍ كادت أن تندلع مع الولايات المتحدة.

في عام 2019، أسقط الحرس الثوري طائرةً أمريكية من طراز RQ-4A Global Hawk، وهي طائرة استطلاعٍ مُسيَّرة بقيمة 220 مليون دولار يمكنها التحليق على ارتفاعاتٍ فائقة تصل إلى 60 ألف قدم. أسقطتها إيران فوق مضيق هرمز باستخدام صاروخ أرض جو، قائلةً إنها انتهكت مجالها الجوي.

وضع الحادث البلدين على شفا مواجهةٍ عسكرية، حيث وَرَدَ أن الرئيس الأمريكي آنذاك، دونالد ترامب، أمرَّ بشنِّ هجومٍ انتقامي على إيران، لكنه تراجَعَ في وقتٍ لاحق. أُسقِطَت الطائرة تحت قيادة حاجي زادة، وذُكِرَ لاحقاً أنه مستعدٌ لاستهداف قاعدتين أمريكيَّتين في الإمارات وقطر، وحاملة طائراتٍ أمريكية، إذا نفَّذَت واشنطن انتقامها.

الانتقام لاغتيال سليماني والخطأ القاتل!

وشهد العام التالي اللحظة الأكثر دراميةً التي واجهها الحرس الثوري منذ سنوات، ألا وهي اغتيال قاسم سليماني. تُرِكَ الأمر لحاجي زادة للرد. وبعد أيامٍ قليلة من غارة الطائرة المُسيَّرة، أمطرت القوة الجوية ليلاً وابلاً من الصواريخ الباليستية على قاعدة الأسد الجوية في العراق، ما أدَّى إلى إصابة أكثر من 100 جندي أمريكي عولِجوا بعد ذلك من إصاباتٍ دماغية. وبعد مرور عامٍ من القصف تفاخَرَ حاجي زادة بالعملية التي أطلق عليها “يوم الله”.

وأضاف الجنرال أن الهجوم نُفِّذَ على الرغم من حثِّ المسؤولين في إيران وخارجها على عدم القيام بذلك. وبحسب حاجي زادة، قرَّرَ الحرس الثوري استهداف قاعدة الأسد قبل 24 ساعة من إطلاق الصواريخ الـ13، ولم يكن هناك سوى 10 أشخاص على علمٍ بالتفاصيل. وقبل ثلاثين دقيقة من إطلاقها، حذَّرَ مسؤولون إيرانيون الحكومة العراقية من أن القاعدة ستتعرَّض لإطلاقٍ صاروخي قريباً.

لكن لم يكن ذلك هو النجاح الباهر الذي كان يأمله حاجي زادة. إذ بعد ساعاتٍ من الهجوم الإيراني، أُسقِطَت طائرة ركَّاب أوكرانية تتسع لـ176 راكباً فوق طهران. أخفى المسؤولون الإيرانيون السبب الحقيقي لتحطُّم الطائرة لمدة ثلاثة أيام، لكنهم أقروا في النهاية بأن أنظمة الدفاع الجوي التابعة للحرس الثوري، التي تعمل تحت قيادة حاجي زادة، أسقطت الطائرة “بالخطأ”.

ثم ظهر حاجي زادة على شاشة التلفزيون للتحدُّث عن الحادث، قائلاً إن المسؤولين عن ضرب الطائرة سوف يُحاكَمون. وقال آنذاك: “سمعتُ عن الحادث المُفجِع، حيث إسقاط طائرة الركَّاب الأوكرانية، عندما تأكَّدت من ذلك تمنيتُ الموت حقاً، وتمنيتُ لو كنت قد مت ولم أشهد هذا الأمر”.

ادَّعى الجنرال أنه لم يكن ينوي إخفاء مسؤولية الحرس الثوري، والتأخير طيلة ثلاثة أيام في الاعتراف بالخطأ كان بسبب مراجعة ودراسة الأسباب. تصاعدت المطالبات بتنحية حاجي زادة ومحاكمته، لكنه بقي في منصبه، رغم أن صورته شُوِّهَت إلى الأبد.