الحكومة: الإفراط في التفاؤل خطأ

علي حمادة – النهار

علّمتنا التجارب في #لبنان كمراقبين سياسيين، أن نعتصم بالحذر الشديد عندما تتعالى الأصوات المروّجة للتفاؤل والإيجابية، لا سيما عندما يتعلق الامر بتشكيل الحكومات. فمنذ العام 2005 نادرا ما تشكلت الحكومات في مهل زمنية معقولة، وغالبا ما حرقت عمليات تشكيل الحكومات الوقت من دون حساب. واليوم، وعلى رغم كل الكلام الذي يروّج لقرب ولادة الحكومة في غضون أيام معدودة، نؤثر أن نبقى على حذرنا التقليدي، وخصوصا أن عملية التشكيل لم تتعرقل لأسباب تقنية، وإنما لأسباب سياسية، لا بل أبعد من سياسية تحصر المشكلة في قضية الحكومة. القضية أبعد من ذلك بكثير. القضية تتعلق باستحقاقات ما بعد #تشكيل الحكومة. والحكومة التي يجري العمل على تشكيلها لا تشبه العنوان الذي وُضع لها، أي انها حكومة وقف الانهيار الاقتصادي، وإقرار الإصلاحات المطلوبة، واطلاق جولة مفاوضات مع الجهات المانحة الدولية، وفي مقدمها صندوق النقد الدولي. ان الحكومة التي يعمل الرئيس المكلف نجيب ميقاتي لتشكيلها تشبه الى حد بعيد، وياللأسف، الحكومات التي كانت تؤلف في المرحلة التي سبقت “ثورة 17 تشرين”. إنها بالرغم من حسن نيات الرئيس ميقاتي حكومة محاصصة حزبية ضيقة بامتياز، حتى لو ضمت وجوها تكنوقراطية معتبرة. لكن الخشية هي ان تضم الوجوه المعتبرة والمحترمة بصفة اختصاصيين، من دون ان يكونوا حقيقة من المستقلين الذين يتخذون قرارات حرة تمليها عليهم ضمائرهم وكفاءاتهم. فمن يراقب مسار التأليف يدرك سريعا ان الأحزاب التي انتفض الشعب على معظمها، هي التي تخوض معارك ضارية في سياق المحاصصة، والزبائنية التقليدية، والأهم انها تخوض معارك سلطوية استباقية تهيئة للانتخابات البلدية والنيابية المقبلة، فضلا عن الاصطفاف الحاد الذي يرتسم تمهيدا لخوض أمّ المعارك، عنينا بذلك الانتخابات الرئاسية. وهنا لا تختصر القوى والأحزاب الصورة، بل ان من يشعل المعركة منذ الآن، من دون ان يلتفت الى معاناة الناس، هو رئيس الجمهورية #ميشال عون الذي يبتز البلاد من اجل الوصول الى “تسوية رئاسية” شبيهة بتسوية 2016، اما بالتمديد شخصيا لبضع سنوات، وإما بإيصال خليفته المعلن الى السدة الرئاسية. من هنا تبدو الصورة أكثر قتامة، ولا سيما ان عون يواجه جبهة عريضة ترفض بقاءه في الرئاسة او حتى إيصال صهره، وتسعى لاختيار النائب السابق #سليمان فرنجية رئيسا بنهاية تشرين الأول 2022!




إن الحكومة التي تدور في سياق عملية تأليفها معركة رئاسة الجمهورية، يصعب أن تكون حكومة إصلاحية، تغييرية. وقد تكون مجرد حكومة تعيد تأهيل التركيبة الحالية للحكم والسلطة، تحت “عباءة” “حزب الله” الذي يبدو ان جميع القوى في تحالفاتها، او حروبها، تستظل الحزب المشار اليه، وتعمل تحت السقوف التي يرسمها بوصفه القوة المهيمنة على القرار الوطني والسيادي اللبناني. من هنا على اللبنانيين ألا ينتظروا العجائب من أي حكومة تتشكل في هذا السياق، حتى لو أسهم الفرنسيون في تعبيد الطريق أمامها. اننا في جميع الأحوال أمام مشروع لإعادة عقارب الزمن الى الوراء، وإنْ بثوب جديد. وبالرغم من ذلك كله قد لا تبصر الحكومة النور، بسبب معركة الرئاسة التي أطلق شرارتها عون.