سمير عطا الله

المسالك والممالك… والمهالك – سمير عطالله – النهار

ارتبط اسم #لبنان ب#الموارنة منذ ما قبل اعلانه. قيل ذلك في التعبير عن محبة أو في تأكيد البغض. العلمانيون أو الطائفيون، قالوا في المديح وفي الذم، إن الموارنة هم علّة الوجود لبلد صغير في عالم اسلامي متسع، من شاطئ المتوسط إلى جبال الأطلس. ومنذ قيام لبنان ثم استقلاله، والدراسات توضع مثل فرض مدرسي، حول رفض “الكيان” أو عشق الوطن. ومع الزمن أصبح لفكرة لبنان فلاسفة وجوديون، مثل غابرييل مارسيل، أو ملاحدة مثل سارتر.

في الحالتين، ذهب الفريقان إلى الغلو. معظم الذين يقدسون فكرة لبنان أو يرفضونها، لم يقرأوا سوى اسماء المفكرين وشيئاً من عناوين كتبهم. واتخذوا العنوان وحده وسيلة سطحية لأيمان عميق، في هذا الاتجاه أو ذاك. وكان الوصول إلى حل مشترك صعباً. فالصراعات الدولية والنزاعات الإقليمية حول الدولة الصغيرة لم تُبقِ فكرة للتأمل الموضوعي. وقيام إسرائيل ادّى إلى مخاوف حقيقية، في الإقليم وفي الأمة، من نشوء دولة غريبة وحصان طروادة آخر. وزاد من هذه المخاوف المغالية، اتجاه الغالبية المسيحية إلى الثقافة الغربية، فيما كانت التيارات القومية واليسارية تتصاعد في كونها رمز العروبة وشكل الحرية. وتضمّن الصراع ضلعاً خفياً هو العنصر الطائفي. فقد أخذ الموارنة الجبل من الدروز، والعاصمة من السنّة، ولم يبقَ للشيعة سوى جنوب منسيّ وبقاع مهمل، يتعامل أهله بالليرة السورية، إلى ان جاء فؤاد شهاب، وحاول تصحيح الخريطتين، السياسية والاجتماعية.




خشي الموارنة رجلاً، اسم #جده حسن. وفوقها أمير، وهم كادحون وطاحنو صخور. لكن النخب فيهم قرأت جيداً متغيرات الجغرافيا وتحولات التاريخ. وبدأت هذه النخب البحث عن صيغة مدنية ضمن الصيغة الدستورية، وعن ملتقيات مشتركة تعمل تحت شعار واحد هو العدالة والمساواة. ومن أجل تدعيم رؤيتها، بحثت في التاريخ الماروني عن مساهماته الكبرى في استحقاق موقع المقدمين: الأدب والشعر واللغة. واول مطبعة عربية في الشرق. وريادات المهجر الاميركي. وروعة المساهمات في صحافة مصر وآدابها وفنونها. وإثنان من الصحافيين يصبحان باشوات، انطون الجميل في “الاهرام” و”كريم ثابت” في القصر الملكي. بكفيا ودير القمر. ومعهما ظهر الديراني الآخر جورج انطونيوس صاحب “اليقظة العربية” الخالدة حتى الآن. ثم ظهر في الموارنة مَن يؤذن للعرب من باريس للقيام إلى نجدة فلسطين، وكان نجيب العازوري الرائد، فيما كان جاره بولس سلامة اول من كتب ملحمة النكبة شعراً تحت عنوان مفرد، أوسع من الجمع “فلسطين”.

انقسم الموارنة إلى فريقين، بادئ الأمر. موارنة “الجيل الملهم” وموارنة “الجوار الواقعي”. ثم تكفلت السياسة بتقسيم التقسيم: كتل واحزاب وجمعيات. وتقسّموا أيضاً إلى طبقات. وأتقن بعضهم، أو جلّهم، ركوب الكاديلاك، ورفع علم طانيوس شاهين. ورأوا الحرب الاهلية قادمة، فلم يحاولوا منعها ولو فشلوا، بل دخل اطباؤهم ومحاموهم والمتعلمون، وحتى المثقفون، غمار الخسارة المحتمة في وجه ائتلاف عالمي، لا يرى في لبنان أكثر من ساحة أو ذريعة. مثلما حارب نابوليون الانكليز في بلجيكا، تحوّل لبنان إلى واترلو واقعة بين الجميع.

حدث الأسوأ عندما استدار الموارنة نحو بعضهم البعض. وأصبحوا أكثر شراسة. وسقط مقاتلوهم وشبابهم على جبهة الرئاسة بدل جبهة لبنان. ودكّوا بيوت بعضهم البعض كما لم يدكّها احد. وهجّروا اهلهم. واحتقروا مواطنيهم وحقّروهم. وفرضوا عليهم الخوّات. ومارسوا الاغتيال. وكانت البشاعات نفسها تحدث في “الغربية”، كما في كل الحروب الأهلية، لكن عند الموارنة ظهرت قباحات الأنا وسطوة الإلغاء الكلي وابادة المنافسين، وحينما بدأت الحرب تهدأ قليلاً، عادت فاشتعلت عندما بدأ البحث عن رئيس. ووصل الحريق إلى حرم بكركي، التي اقتحمها الزعران بأسفل المظاهر.

يومها برزت دعوة جوهرية، كنتُ ولا ازال من المؤمنين بها. لكي يبقى لبنان دولة مشرقة في اسسه، يجب ان يبقى رئيسه مسيحياً من غير ان يكون بالضرورة مارونياً. وما من حل آخر في إبعاده عن المعارك المضيعة للوقت والحياة. يعود الموارنة إلى دورهم الابداعي ويبقون خارج الصراعات الصغيرة والقاتلة والمدمرة، حول هاجس واحد، هو رئاسة الجمهورية. وفي أي حال، لم يعودوا هم الناخب الأول، ولا الورقة الحاسمة. فلماذا يبقى كابوساً وطنياً وسبباً تفجيرياً كلما حان موعد الانتخاب أو التجديد؟

صارت صورة الرئاسة تجديفاً على الدستور وتزويراً لمعنى الميثاق. وصارت سمعتهم الحروب من أجل الرئاسة، لا التضحية من أجل لبنان. ولذلك، أصبح الفراغ في بعبدا مألوفاً مثل الملء. وهانت على القصر ان يبقى شاغراً من دون شاغل، نحو نصف عقد من رئاسة الجنرال عون رئيساً مكلفاً للوزراء أو رئيساً منتخباً للجمهورية. ومن أجل الرئاسة تصالح اعداء الأمس. وطلع الجنرال عون إلى معراب، وتباسم مع سمير جعجع، وتم توقيع الاتفاق الذي سيلحق بما سبق وبما لحق.

لم تمضِ شهور على انتخاب الجنرال عون حتى أعلن بنفسه بداية معركة الرئاسة والتوريث عندما قال ان الوزير جبران يبدو متقدماً على غيره في السباق. هذا طبعاً حق الرئيس وحق مرشحه، لكن ما لبث لبنان ان تحوّل إلى مهرجان طائر ومهرجان حاطط، للمرشح، لا للرئيس. وصار الرجل يتنقل إما في طائرة خاصة، وإما على اثان، تشبهّاً بالمسيح. وفي طريقه إلى القصر قلب علاقات لبنان بالعرب والعالم. وقبل ان يصل إلى الرئاسة صار هو من يشكّل الحكومات، ومن يوزع الحقائب، ومن يرميها في وجه صاحبها.

صارت الصورة اليومية في لبنان صورة بلد يفيق وينام على أيقاع واحد، وبدا ذلك تحدياً متغطرساً لغير الموارنة ولهم. وأما فيما بينهم، فالأمر عادي، ولو ان المورّث وجد نفسه مع الوريث ضد جميع الاحزاب المسيحية: القوات، والكتائب، والمردة، ثم بكركي، ثم مطرانية الروم، ثم الفاتيكان. عادي. الذي لم يكن عادياً وضع جزء من الموارنة في وجه جزء من الشيعة، وكل الموارنة في وجه كل السنّة. فقد قرر الوزير ان عليه مهمة مقدسة هي “تربية” السنّة، من خلال تربية سعد الحريري، وبعده نجيب ميقاتي، ومن يكلف بعده.

لم يكن لائقاً بأحد ان يعامل رئيس الجمهورية اللبنانية احداً، كما عومل المكلفون. ابواب تفتح فقط من الداخل للخارجين. ابواب دوارة يدخل منها الضيف ليخرج من الجانب الآخر. هذا ليس جرحاً للمعنيين، هذا جرح لكل مواطن معني بكرامته وكرامة بلده. وفي أي حال، يقول الأستاذ رشيد درباس، لا كرامة لمواطن لا تؤمّن له الجمهورية الرغيف والدواء والنور والوقود، وتحوّله إلى قاتل أمام محطة بنزين أو منتحر حرقاً أمام مدرسة. ويصبح الإنجاز لا يليق بالموارنة ابداً ان تكون هذه صورتهم، من أجل تلك الكرسي الولاّدة لا من أجل لبنان. فأين هو لبنان في هذا المأتم الحزين. والذي أبلغنا قبل اسابيع أنه جاء لنا بالسيادة ولم يبقَ سوى ان يحمل لنا الاصلاح، عليه أن يكف عن إهانة عقولنا ويكتفي.

لم يبقَ أحد لم تلحق به الإهانة أو الضرر، او اليأس، أو خسارة المال والعمر. ولا يعطى اللبناني سوى بيانات واجتماعات وفذلكات سقيمة مثل أمراض النحو وتملك النحاة. أي إرث والناس أيضاً بلا مياه في ارض الينابيع. أي قضية والقصر يستقبل ويودّع ويجادل في حقيبة او اثنتين أو عشر، فيما كل شيء في قعر التهلكة. إذا كان لبنان قد قام بفعل الموارنة فليس من حقهم ان يموت تحت ثقل هذا العبث. أي شعب يرتضي ان يعقد رئيس جمهوريته 40 اجتماعاً حول الحصص بينما الجمهورية نفسها تئن وتحتضر، وجيشها مأخوذ بفتح الطرقات ومصادرة المخازن المزورة؟ هل هذا هو الجيش الذي قال عنه رئيس الجمهورية مرة انه غير قادر على حماية لبنان؟

لكنه قادر على حماية اهله. وعلى حماية قيم المساواة وقَسَم التواضع. اتخيل ماذا يكون هذا الحطام الكئيب المسمّى لبنان، لولا خلق الجيش وهمّته وشهامته وتقديسه لقسمه. يتعلم الجيش ان يحب شعبه، لا نفسه، وان يحمي الناس، لا ان يعرّضها دوماً للهلاك والخطر، فوق شقاء الأيام وضنك الليالي.

أقل منصب أو عمل أو وظيفة هو استحقاق لا يعطى إلاّ للمجلّين. فليكن الحق في المنصب الدستوري الأول لصاحب الوزنات العشر بين المسيحيين. حتماً هناك موارنة كثيرون بينهم، لكنهم بالتأكيد ليسوا الاكفاء الوحيدين. النسب الطائفي أو العائلي، لا يجوز كشرط ولا يحق كحق. لقد جُربت هذه الصيغة زهاء القرن، وادّت إلى ما نحن فيه. إن محاربة الاحتكار لا تكون فقط في استيراد البطاطا والعجوة وطناجر البريستو.

الوجود المتآكل لا ينقذه سوى رئيس مشارك. ولا بد ان يكون مسيحياً لكي لا يختل الميزان الإنساني والتاريخي في الشرق. ومن أبسط حقوق الموارنة خوض سباق الكفاءة والعدل والسيرة المميزة. لكن كفاهم إثارة الاحقاد في ما بينهم والنعرات ضدهم. ما سمّاه منح الصلح “المارونية السياسية” أتعب الموارنة وأهلك لبنان.