محمد بن سلمان خرج عن “رعاية” محمد بن زايد؟

سركيس نعوم – النهار

العلاقة بين المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة الوثيقة أصلاً، إزداد توثّقها بعد تولّي ولي العهد في حينه الأمير سلمان بن عبد العزيز الملك في الأولى في أعقاب وفاة أخيه غير الشقيق الملك عبدالله، كما بعد اختيار إبنه الأمير محمد ولياً للعهد في ظروف معلومة. ذلك أن علاقة جيّدة بل وثيقة قامت بين ولي عهد الثانية الشيخ #محمد بن زايد آل نهيان وبين سلمان رغم فارق السن بينهما. فالثاني تابع مسيرة والده المؤسّس الشيخ زايد وخلفه في الرئاسة شقيقه الشيخ خليفة فطوّرها اقتصاداً وعمراناً وتقدّماً علمياً وثقافةً ودوراً دولياً وإقليمياً متنوّعاً ومركزاً مهماً للتجارة العالمية، كما جعلها ركناً أساسياً في السياسة الإقليمية. وفي اختصار نجح وإخوانه في قيادة دولة الإمارات ومنهم نائب رئيسها و”حاكم دبي” في استثمار ثرواتها وانتشار العلم فيها وبين الإماراتيين تحديداً في إدخال بلاده القرن الواحد والعشرين رغم الديموغرافيا الضعيفة لشعبه والقدرة العسكرية الكبيرة وإن محدودةً لدولته. طبعاً رحّب ولي العهد محمد بن زايد بولي العهد السعودي الجديد والشاب والطموح لكن الذي يفتقر الى الخبرة العملية في الحكم وفي السياسة وفي مجالات عدّة متنوّعة، وقرّر التعاون معه بسبب طموحه الكبير لتطوير بلاده وإقامة نوع من الشراكة بين بلديهما يمكنهما من استحقاق دور كبير ليس في الخليج فحسب بل في المنطقة كلها التي يتصارع أقطابها بالسلاح أو بالسياسة أو بالإثنين من أجل مدّ نفوذ بلدانهم وتحقيق الحدّ الأقصى من المكاسب السياسية والإقتصادية وامتلاكها كلمةً ما مؤثّرة وربما حاسمة في تقرير مصير الإقليم. طبعاً كان على بن زايد أن “يتفق” مع حليفه السعودي الشاب سياسياً وأن “يدرّبه” إذا جاز التعبير على هذا النحو، وأن يطلعه على خبرته السياسية مع الحلفاء والأصدقاء والأعداء والمنافسين داخل الدولة وفي المنطقة والعالم، وأن يتابع مسيرته بكثير من النصح والإرشاد ولا سيما الدولي منه. الأمير السعودي الشاب كان في حاجة الى كل ذلك. في هذا المجال يمكن القول أن ولي العهد الإماراتي كان “الناصح” الأول أي Mentor في اللغة الإنكليزية لنظيره السعودي في كل ما يتعلق بأميركا والتعامل معها. أما على الصعيد العسكري فقد كان خوض المملكة والإمارات معاً حرب اليمن على الحوثيين من شعبه عام 2015 المظهر الأبرز للتعاون الوثيق كما للأخوّة بينهما. اعتبر كثيرون في حينه أن من شأن هذه العلاقة الإستثنائية أن تسرّع خطوات مجلس التعاون الخليجي على طريق استكمال الإتحادية بين دوله، وأن تشرّع باب السعودية على الإنفتاح والتطوّر في السياسة داخل الإقليم وخارجه، وفي المجتمع والإقتصاد والتعليم، كما في كل المجالات التي تؤدّي الى نجاح الدولتين في إستحقاق موقع قيادي أو ريادي إقتصادي وإجتماعي وسياسي وربما عسكري في المنطقة وفي جعل التعاون معهما حاجة إقليمية ودولية.




حقّق هذا التعاون الوثيق الكثير، لكن العلاقة “الأخوية” والمصلحية بين وليي عهد السعودية والإمارات تشظّت بعض الشيء منذ سنتين أو أكثر بسبب تعثّر تحقيق الإنتصار في حرب اليمن، كما بسبب اختلافهما على أسباب إخفاقها وفي الوقت نفسه على الوضع اليمني الذي يُفترض أن يتأسّس بعد انتهاء الحرب. ظهر ذلك في وضوح بدعم الإمارات مجلس الجنوب (اليمني) الإنتقالي حليفها والسعودية في الحرب على الحوثيين وداعمتهم إيران ومشروعه إعادة دولة جنوب اليمن الى الحياة أي الى الوضع الذي كانت عليه عند استقلالها بعد جلاء الإحتلال البريطاني عن أراضيها في القرن الماضي. كما ظهر بدعم السعودية الرئيس الشرعي لليمن عبد ربه منصور هادي وجيشه والمقاتلين معه لتحقيق الهدف الأساسي وهو استعادة اليمن من الإحتلال الإيراني غير المباشر عبر الحوثيين أي إعادته دولةً واحدةً موحّدة. يبدو واضحاً من هذا الاختلاف بين الرياض وأبوظبي أن طموحات وليي العهد فيهما قد تناقضت. وإذا كان لا يزال الوقت مبكراً لتوقّع أي منهما سيحقّق طموحاته السياسية في دول الخليج العربية وفي اليمن وربما في القرن الإفريقي وحتى في العالم العربي جرّاء ارتباط ذلك كله بانتهاء الصراع الكبير المحتدم في المنطقة بين أميركا وإيران وبينها وبين روسيا كما بين دول إقليمية كبرى إسلامية عربية وغير عربية، فإن التوقّع اليوم هو أن الدولتين الشقيقتين تخوضان تنافساً حادّاً وكبيراً غير عسكري وغير سياسي هدفه الأول سعي كل منهما الى أن تكون بلاده الأولى في المنطقة في التقدم الإقتصادي والتكنولوجي والعلمي والتجاري والصناعي، ومن الدول الكبرى في العالم في هذه المجالات.

ماذا يقول عن هذا التنافس باحثون آسيويون يعرفون الخليج العربي وجواره الآسيوي غير العربي ويتابعون سياسات الدول الكبرى فيه كما في العالم؟ خصصنا الآسيويين بهذا السؤال لأن لدى غير العرب في المنطقة كما لدى الأجانب في العالم قدرة على الوصول الى مسؤولين كبار في السعودية والإمارات كما في دول أخرى وعلى محاولة معرفة بعض ما يجري. في حين أن ذلك لم يتوافر للإعلاميين والباحثين العرب إلا نادراً لأن الدور المطلوب منهم هو الاصطفاف وكيل المدائح و… أمور أخرى. ربما كان الراحل الكبير “الصحافي” محمد حسنين هيكل الإستثناء الوحيد لذلك. لكن كفاءته العالية وموهبته الكبيرة اللتين لا ينكرهما أحد لم تفتحا وحدهما له باب القيادات الأولى في المنطقة وخارجها. بل فتحتها له علاقته المميزة بالرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر وبدوره الإعلامي والسياسي معه سواء في قضايا مصيرية أو عربية وحتى دولية. علماً أن ناصر كان استثنائياً بين القادة العرب مع الاحترام الكبير لهم جميعاً.

يقول باحث آسيوي عريق جداً: “إن الشخصية كما دمج المصلحة الوطنية الحقيقية والصادقة مع الطموح الشخصي يساهمان في توسيع الفجوة بين العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. كانت مسألة وقت فقط قبل أن يقرّر ولي العهد السعودي الأمير #محمد بن سلمان أنه يريد أن يعتمد على نفسه وأن لا يُنظر إليه بوصفه تحت حماية أو بالأحرى رعاية ناصحه ومرشده السابق نظيره الإماراتي ولي العهد محمد بن زايد”.
ماذا قال أيضاً عن هذا الموضوع؟