لماذا يبدو “حزب الله” كأنه ينأى بنفسه عن مسار التأليف؟

ابراهيم بيرم – النهار

منذ تكليف الرئيس نجيب ميقاتي تأليف الحكومة المنتظرة قبل نحو شهر ونيّف، بدا “#حزب الله” كأنه يجنح الى النأي بنفسه عن العملية المبذولة بهدف استيلاد هذه الحكومة وما يواكبها من اتصالات ولقاءات يشهدها قصر بعبدا ودارة ميقاتي.




ولولا موقفان عامان اطلقهما سيد الحزب السيد حسن نصرالله حيال مسار التأليف خلال اطلالتين اعلاميتين اخيرا، وجوهرهما الدعوة الى التعجيل في استيلاد الحكومة الموعودة وضرورة تدوير طرفَي التأليف الزوايا وخفض سقف الشروط المتبادلة نظراً الى الحاجة الوطنية الملحّة لوجود حكومة جديدة تأخذ على عاتقها ملء الفراغ القاتل وادارة الوضع ووقف التدهور والاهتراء المتفاقم، فان الحزب بدا كأن لا علاقة عضوية له بمسارات التفاوض والعروض والعروض المضادة. لا بل ان بعض المراقبين رأى ان الحزب حجز لنفسه مقعدا في صف المتابعين والمتفرجين والمنتظرين ليس إلا.

وليس هذا بمستغرب، فالجهة المولجة بادارة هذا الملف في قيادة الحزب ابلغت في وقت مبكر الى الرئيس المكلف ان عليه ألا يراهن على دور وساطة يؤديه بينه وبين رئيس الجمهورية ميشال عون، ولا ينتظر منه اي مبادرة معيّنة من شأنها ان تساعد في ازالة العقبات وكسح العراقيل التي يحتمل ان تنشأ وترجئ التأليف.

وبحسب اوساط على صلة بالحزب، فان هذا السلوك المبكر ليس تهرباً منه من اداء دور او تخففاً من واجب وطني بامتياز منوط بكل المعنيين بعملية التأليف، بل يعود الى اعتبارات شتى ابرزها:

– ان تجربة المبادرات والوساطات التي قام بها الحزب ورئيس مجلس النواب نبيه بري والمدير العام للامن العام اللواء عباس ابرهيم خلال فترة تكليف الرئيس سعد الحريري، لم تكن ذات جدوى، بل ان عوائدها بدت سلبية على الوسطاء متفرقين ومجتمعين.

ويحبذ الحزب في هذا الاطار التذكير بانه خرج من احدى جولات التوسط تلك متضرراً ومتهماً، اذ لم يجد حمداً وشكوراً عند ايّ من الطرفين. فمعلوم ان فريق الرئيس الحريري كان اذا اراد ان يدفع عن نفسه مسؤولية العجز والتقصير وعدم الإقدام بادر الى توجيه اصابع الاتهام الى الحزب انطلاقا من اعتبارين: الاول ان الحزب لم يضغط كفاية على حليفه “التيار الوطني الحر”. والثاني التذرع بان مرجعية الحزب في طهران لا تشجع على التأليف وتريد ترك الفراغ سيد الموقف في لبنان لانها تريد استخدام ذلك ورقة بيدها في مفاوضاتها الصعبة مع واشنطن.

كما ان الحزب لم ينسَ بعد ان شريكه في “تفاهم مار مخايل” “التيار الوطني الحر” ساعة اراد ان يتخفف من حملة الضغوط عليه المتأتية من اتهامه بالعرقلة، بادر رئيس التيار جبران باسيل الى رمي الكرة في اتجاه الحزب مطلقا تعبيره الشهير: “انني أحكّم السيد نصرالله وأقبل بنتيجة حكمه مهما كانت”.

ومعلوم يومها ان السيد نصرالله قبل بمهمة التحكيم، لكنه رد بشكل غير مباشر على هذا الطلب بالقول: اننا نختلف عن كل مكونات الساحة ونتحمل ما لا يمكن لأحد غيرنا ان يتحمله.

ومع ذلك، اكتفى الحزب يومها بلقاء يتيم تم بين رئيس وحدة الارتباط فيه وفيق صفا وباسيل خرج بعدها صفا من البياضة ولم يعد منذ ذلك التاريخ لتنتهي الامور على الصورة التي استشرفها الحزب سلفا وهي انه ليس بمقدور الحريري ان يؤلف، او بمعنى آخر ليس مأذونا له السير بهذا الامر.

وعلى رغم كل تلك التطورات، فان اداء الحزب تجاه تكليف ميقاتي كان مختلفا اذ تخطى هذه المرة حسابات علاقته بحليفه “التيار البرتقالي” وسارع الى محض اصوات كتلته النيابية لمصلحة ميقاتي ولم يجارِ حليفه ابان تسمية الحريري رئيسا مكلفا.

وبهذا التأييد البلا شروط لتكليف ميقاتي كان واضحا ان الحزب يبعث برسالة ثلاثية الى كل من يعنيه الامر:

الاولى ان لا تحفّظ عنده تجاه ميقاتي يمنعه من عدم تسميته.

والثانية يقينه ان ثمة حاجة ملحّة الى حكومة اصيلة لان اعباء الفراغ الحكومي ثقيلة الوطأة عليه وعلى سواه.

الثالثة انه ضمناً يصدق اعلان ميقاتي انه وفد الى هذه المهمة ليؤلف وليس ليعزف، وبالتالي فاحتمالات التأليف اكبر من عدمه.

ولكن ما لم يفصح عنه الحزب وبقي داخل الدوائر الضيقة عنده ان خروج الحريري من مربع التكليف ينطوي على دلالات ومغاز تتصل بمستقبل المسار السياسي في الداخل والاقليم، فثمة من كان حاضرا بقوة في صلب المعادلة الداخلية اختار الآن ان ينكفئ لدواع شتى.

ومع كل ذلك التطور فان الحزب على ما يبدو لم يضع بيضه السياسي في سلة انتظار تأليف الحكومة كمدخل لفضّ التوتر والاحتقان وخفض منسوب الضغط عليه وعلى الوضع اللبناني برمته.

ففي السابق ساهمت جهود الحزب في تسهيل انتخاب مصطفى الكاظمي لمنصب رئاسة الحكومة العراقية، لكنه لم يجد مقابلها تخفيفا للضغط على حكومة حسان دياب، بل ان “الكبسة” الاميركية على الساحة اللبنانية لم تتراجع اطلاقا.

وعليه، فبموازاة الدعم العلني لميقاتي اقتنع الحزب بان عليه ان تكون لديه خيارات اخرى بديلة واستعدادات مختلفة تؤكد تنبهه لكل الاحتمالات بما فيها الاسوأ.
لذا لجأ الحزب الى الكشف عن مسارين متلازمين في اطار الاستعداد للمواجهة:

الاول الانتقال الى مربع المواجهة المكشوفة مع واشنطن وحلفائها، وخصوصا مع السفارة في بيروت التي تعمّد السيد نصرالله ذكرها بالاسم في ثلاث اطلالات اعلامية متتالية بتهمة الضلوع في محاصرة لبنان.

الثاني الاعلان عن الانطلاق في عملية استجرار منظمة للمحروقات من ايران عبر البواخر بهدف اشباع السوق المحلية وكسر الحصار غير المعلن.

لذا فان الحزب وجمهوره يعدّون الساعات لوصول طلائع هذه البواخر سليمة ويباشر توزيعها عبر آلية دقيقة انطلاقا من ان انجاز هذا التحدي معناه ان مفاعيل عاصفة الضغوط عليه وعلى البلاد قد اوشكت على الانتهاء، وبدأ عصر جديد بمواصفات سياسية واقتصادية مختلفة.

وعليه فان الحزب يسير بشكل متواز بالخيارات الثلاثة معا (الحكومة، رفع مستوى المواجهة مع الاميركيين واستجرارالمحروقات من ايران)، معتبرا انها تصب في خانة واحدة، فاذا اخفق احد هذه الاحتمالات فان الآخرين يتكفلان بالتعويض.