مغدوشة الاستضعاف والاستقواء.. وبنزين “العيش المشترك” يحترق

نادر فوز – المدن

في بلد تحكمه الميليشيات، ومنطق الغلبة والاستقواء والاستضعاف، ليس مشهد عنقون- مغدوشة غريباً. الميليشيات معروفة، في السياسة والعائلات والانتماء الطائفي وغيرها، وشبه موجودة في كل منطقة. أما منطق الاستقواء والاستضعاف فيتمدّد في نتيجة فعلية للسياق العام في البلاد. بين مغدوشة وعنقون، عاد شعار “شيعة شيعة” إلى الظهور. فهل من داعٍ لذكر المزيد؟ لكن ما يجب التوقّف عنده، هو أسلوب التعامل مع أزمة مماثلة. على طريقة السلطة، “بوس لحى”، خطابات عن “العيش المشترك” وتأكيد على الأخوّة والتعايش. وعدا “بوس اللحى”، كان الأسوأ إظهار الحلّ وكأنّ أهالي القرية المستضعفة لجؤوا للاعتذار إلى الجماعة المستقوية. كل شيء بدأ من محطة للمحروقات. يقول المشهد الطائفي الواقعي، إنّ مغدوشة مسيحية وعنقون شيعية. لكن مع عدم إغفال أن هذا الفلتان وتلك الصدامات ليست “طائفية” حصراً، فما حدث في صور والعباسية وبريقع وكفرمان جنوباً، وفي عكار العتيقة وفنيدق وطرابلس شمالاً، وفي كل أنحاء بيروت، هو دليل التحلل الذي يصيب كل البلد، وفي داخل كل قرية وبلدة، وبين العائلات الواحدة نفسها. وتبقى حادثة مغدوشة دليل إضافي على تفلت “الزعران”، أكانوا من حركة أمل أو أي حزب كان.




طعن وجرحى
تقول الرواية الخاصة بحادثة التوتّر بين مغدوشة وعنقون، إنّ الإشكال بدأ يوم الجمعة في طابور أمام محطّة بنزين في مغدوشة. في هذه القرية، على ما يقول عدد من سكانها “محطتا محروقات، أكثرية من يصطفون في طوابيرها هم من قرى الجوار وأكثريتهم من عنقون التي فيها 4 محطات للمحروقات”. وتقول الرواية أيضاً، أنه قبل أسابيع وخلال انتظار أحد أبناء مغدوشة في طابور البنزين أمام إحدى محطات عنقون قيل له “روح على ضيعتك عبّي بنزين، في حين أن أغلب أهالي عنقون يملؤون خزانات سياراتهم من مغدوشة”. وقع الإشكال الجمعة في مغدوشة وتمّ طعن الدكتور هشام حايك وسقوط 5 جرحى آخرين من أبناء البلدة على يدّ أبناء من بلدة عنقون.

تحرّك الجيش
بعد تحرّك مجموعة من الجيش لتوقيف المسؤولين عن الإشكال وعملية الطعن من بلدة عنقون، قطع أهالي البلدة مداخل البلدة. وقاموا بعدها بالهجوم على بلدة مغدوشة، حيث اعتدوا على الأملاك العامة والخاصة، وحطّموا بعض السيارات ورموا الحجارة على المنازل، وكسروا مزاراً لمار شربل. إنها قمة الحقد الطائفي، وكله بغطاء هتاف “شيعة شيعة”، وعلى مرأى من العناصر الأمنية التي لم تتدخّل لمنع الاعتداء. وهنا، بلغ الخطاب الطائفي ذروته. وإضافة إلى هتاف “شيعة شيعة”، شتم المعتدون رئيس حزب القوات اللبنانية، وردّ نائب التيار الوطني الحرّ بشتم رئيس مجلس النواب نبيه برّي.

مصالحة “تبويس اللحى”
بعد اتصالات تم تكريس النائب ميشال موسى “أبو ملحم” المنطقة. حضر إلى منزله في مغدوشة مفتي صور وجبل عامل، المسؤول الثقافي المركزي في حركة أمل، الشيخ حسن عبدالله مساء أمس، حيث اجتمع مع راعي ابرشية صيدا ودير القمر للروم الملكيين الكاثوليك المطران إيلي حداد في منزل موسى. وتقول الرواية الرسمية، إنه “بناءً لتوجيهات من رئيس مجلس النواب نبيه برّي، تم تطويق الاشكالات التي حصلت بين بلدتي مغدوشة وعنقون”. وانتقل بعدها المجتمعون إلى بلدة عنقون للقاء فعالياتها في النادي الحسيني للبلدة. خلاصة المشهد تقول إنّ المطران حداد زار عنقون، لا العكس. أي أنّ الجهة التي تمّ الاعتداء عليها زارت الجهة المعتدية. الجهة المستضعَفة زارت تلك المستقوية.

توتّر ليليّ
وبعد المصالحة المزعومة، والتأكيد على رفع الغطاء السياسي عن أي من المعتدين من بلدة عنقون، حاولت قوّة من الجيش مساء الأحد- الإثنين توقيف عدد من المطلوبين، إلا أنّ أهالي البلدة أعادوا الكرّة. نجح الجيش في توقيف شخصين، لكن أنصار “شيعة شيعة” عادوا وتجمهروا وحاولوا مجدداً الدخول إلى مغدوشة بهدف التخريب ونشر الفتنة الطائفية. إلا أنّ الجيش منعهم من ذلك هذه المرة. وهو ما يؤكد أنّ المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية قادرة على وقف هذه الممارسات. وأنّ القوى السياسية قادرة عن منع أشكال الفتنة المتنقلة، لكنها لا تبغي ذلك.

منطق السلطة
يقول منطق السلطة، بما هو مثبت ومكرّر، أنّ تأجيج هذه الصراعات الطائفية أو حتى المذهبية يخدمها. هو شدّ عصب فعلي لمجتمعاتها، وهو ما يمكن ترجمته من خلال المواقف النارية التي تصدّرت المشهد بخطاب طائفي بحت. في هذه الإشكال، إعادة تلقائية للناس إلى حظائر السلطة الطائفية، من الجانبين. وفيه أيضاً تأكيد على منطق الاستقواء الطائفي من جهة، لشدّ العصب. ومنطق الضحية والاستضعاف، من جهة أخرى، لشدّ العصب. من يدفع ثمن كل هذا؟ الثمن يدفعه أبناء هذه المناطق الخارجين من كل هذه العباءات، الذين يحاولون تأمين حاجياتهم اليومية بعيداً عن كل مشهد الذلّ الفعلي والطائفي هذا.

مغدوشة ليست للمغدوشيين
لمن لا يعرف مغدوشة، بلسان أهلها وأهل محيطها وجوارها من صيدا إلى سائر الجنوب، “هي بلدة لم تتبنَّ يوماً خطاباً متشدداً”. فعلياً، منطقة للتنفّس. وعلى حدّ قول أحد أبناء الجنوب، “هي مدرسة المنطقة وكل الجوار”. مغدوشة، التي تهجّر أهلها خلال الحرب الأهلية بفعل موقعها الجغرافي وليس موقعها الطائفي في حرب المخيّمات، رفضت طيلة الأشهر الماضية اعتماد حلّ “مغدوشة للمغدوشيين، وبنزين مغدوشة للمغدوشيين”.

مغدوشة، واحة، يتم اليوم استضعافها وفق المنطق العام السائد في البلد، وبلغة واضحة اسمها “شيعة شيعة”. مصالحة مغدوشة يستوجب أولاً توقيف كل المسؤولين عن الاعتداء الذي حصل، وليتخّذ القضاء مجراه. مصالحة مغدوشة تستوجب ثانياً اعتذاراً علنياً لما حصل مع أبناء البلدة. مصالحة مغدوشة تستوجب ثالثاً وقف كل العراضات السياسية والطائفية الحاصلة التي تتغذّى منها أحزاب السلطة وطائفييها.

مغدوشة، الواحة، يمكن أن تختصر الكثير من أزمات هذه البلاد. من أزمة البنزين وإشكالات طوابيرها، وتهريب البنزين والتجارة به بالسوق السوداء، إلى العيش المشترك الزائف والعراضات الطائفية ومنطق الاستقواء ودور الأجهزة الأمنية الغائبة وانحلال القانون والمؤسسات والدولة. فكان الله بعون مغدوشة وجوارها.