ميقاتي في لعبة إدارة الوقت واحتواء هجمات الطرف الثاني: لا عزوف

ابراهيم بيرم – النهار

بعد أقل من ثلاث ساعات على خروجه من لقائه الثالث عشر مع الرئيس ميشال عون في قصر بعبدا وهو يردد جملة “ان شاء الله خير”، وهي الجملة التي تكون عادة في مثل هذا الموقف حمّالة أوجه، أطلّ الرئيس المكلف #نجيب ميقاتي في لقاء اعلامي طويل نسبيا على قناة “الحدث” السعودية. وعبر هذه الاطلالة نجح في ايصال رسالة تنطوي على أبعاد شتى، وتوضح الكثير من الالتباسات موجهة الى متابعيه والى راصدي مسار التأليف، فحواها الآتي:




– ان الامور ما انفكت في اطار تبادل اسماء المرشحين لتولّي الحقائب الوزارية الست المعروفة (العدل، الداخلية، الخارجية، الاقتصاد، الطاقة، الشؤون الاجتماعية) وهي عمليا حقائب يتعين ان توزع على الحصتين المسيحية والسنية لان الحصص الشيعية والدرزية تبدو خارج البحث.

وواقع الحال هذا الكلام دفع المقيمين اصلا على تشاؤمهم الى ان يخرجوا على الملأ لـ”يبشّروا بان عملية التأليف متعثرة وعسيرة، ويبادروا رأسا الى تقديم هذا الاستنتاج كبرهان على ان مصير ميقاتي سيكون كمصير سلفيه الرئيس سعد الحريري والسفير مصطفى اديب اللذين اضطرا الى العزوف، الاول بعد نحو 11 شهرا، والثاني بعد نحو شهر واحد لان الرئاسة الاولى وحاضنها السياسي (“التيار الوطني الحر”) ما برحا عند المعادلة النمطية التي سبق لهما ان وضعاها امام من يعنيهم الامر، فإما حكومة لهما فيها الثلث الضامن، وإلا فلتبقَ الامور تراوح في دائرة الفراغ القاتل عينه.

وفي الموازاة، ثمة من انبرى ليتبنى استنتاجا مطمئنا وايجابيا الى حد ما، فحواه انه ربما هي المرة الاولى منذ التكليف يدخل فيها طرفا التأليف مرحلة البحث الجدي والنقاش المفيد، اذ ان المسار قد بلغ مربع البحث عن الاسماء المرشحة، وهذا بشكل او بآخر تقدّم يعتد به لانه يذكّر بقواعد اللعبة التقليدية المألوفة لاستيلاد الحكومات في لبنان.

– ان الرئيس ميقاتي وكعادته عند كل اصطدام بشروط الرئيس عون، وهو امر مستعد له تماما ويعرف دروبه ومسالكه، يخرج الى الناس شاهرا “سلاحه الدفاعي” المألوف ويقول ما مفاده: ان المسار والمسير الى حكومة جديدة موعودة محفوف بالعراقيل والعقبات، ولكنني مع ذلك دائب على مسيرة الصبر التي اخترتها والتي تبحث دوما عن نافذة امل ورجاء.

– وعليه، اعلن ميقاتي مجددا ربما للمرة العاشرة على التوالي انه رغم كل ذلك فانه ليس في وارد العزوف والنكوص والاعتذار، بل انه ماض في رحلة البحث عن كوة امل لإنضاج الطبخة الحكومية. واللافت انه ادخل الى قاموس مفرداته السياسية وللمرة الاولى منذ التكليف تعبير “حكومة انقاذ”.

وعليه، وعلى نحو عاجل يبدد ميقاتي “لعبة الغموض” التي اكتنفت عملية خروجه الاخير من قصر بعبدا (اللقاء الـ 13) ليضع النقاط على الحروف ويقول: نعم ما برحنا في مربع لعبة الاسماء حيث تختبىء عادة الشياطين، ولكنني على اتم الاستعداد لأعطي نفسي مزيدا من الوقت قبل ان اتخذ القرارالحاسم.

ومن البديهي انه فور سريان هذا الكلام على لسان ميقاتي، سرت تكهنات تحدد نهاية ايلول المقبل موعد الحسم هذا، علما ان باريس ابلغت مع التكليف مَن يعنيهم الامر في بيروت ان المهلة الممنوحة لميقاتي هي ثلاثة اشهر.

وبصرف النظر عن كل ذلك، فان الواضح ان ميقاتي يلعب بجدارة لعبة ادارة الوقت والمهمة الشاقة التي تصدى لها طائعا قبل شهر وهو على علم بكل تضاريسها وتعاريجها وما في شعابها من وعورة.

وفي تقدير العارفين بمناخات ميقاتي ان هذه اللعبة تقوم على الاسس الآتية:
ان ميقاتي ما زال عند التعهد الذي اطلقه بداية، فهو سار بقدميه الى المشهد المزدحم بالتناقضات والمرارات ليؤلف حكومة منتظرة لا ليعزف ويفر بخيبة.
– اذا كان ميقاتي يكتم تفاصيل ما دار في لقاءاته مع الرئيس عون مما يعني انه التزم نظرية “المجالس بالامانات”، فان ذلك على بداهته لا يحول دون ان تتسرب تلك التفاصيل فورا الى وسائل الاعلام. وفي هذا ما فيه من مزية استدراج الامور من عتمة الغرف الموصدة الى الضوء لتصير كل الامور مكشوفة وليبنى على النتائج معطيات جديدة في اللقاء التالي على نحو تكون الايام الفاصلة بين اللقاءين فرصة للجميع لاعادة النظر بخياراتهم وحساباتهم.

وبذا يرى البعض ان ميقاتي يطبق نظرية “استيعاب هجمات الطرف الآخر المفاوض”. ومعلوم انه في قوانين التفاوض التي تدرَّس في الاكاديميات تُدرج تلك اللعبة في خانة انها لعبة “انهاك الطرف الآخر واجباره على اخراج كل ما تحويه جعبته من افكار واحتمالات وبدائل”، وهو بالجملة خيار الراغبين في تحقيق الهدف الذي من اجله انطلقت عملية التفاوض.

وفي كل الاحوال، يعطي ميقاتي دوما براهين على انه يخوض معركة التأليف بطريقة اكثر مرونة وسلاسة من طريقة سلفه الحريري. فهو لا يقطع السبل وقنوات التواصل مع هذا الطرف ولا يدع الامور تبلغ حد فتح خطوط تماس واشتباك معه.

الى ذلك، فان ميقاتي بأدائه هذا يستخدم سلاحا ذا حدين، فهو لا يوحي ان الامور ميسّرة وانها قاب قوسين او ادنى من بلوغ النهايات المرجوة، لكنه يحرص على ألا يوحي في المقابل ان السبل مسدودة بدليل انه يفتح ابواب دارته لموفدي قصر بعبدا وللاتصالات الجانبية ليبقي التفاؤل حاضرا.

ومهما يكن من امر، فان ثمة من العارفين باداء ميقاتي يقول انه نجح ايضا خلال الايام القليلة الماضية في استيعاب ارتدادات اعلان الامين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله استجرار بواخر المحروقات من ايران الى الساحل اللبناني بالكلام الديبلوماسي الذي قاله، والذي انطوى على اعتراض ضمني، “ولكن ماذا نفعل اذا لم تعطونا شمعة نضيء بها عتمة ليالينا الحزينة”. وهو بذلك أرضى الحزب ولم يثر غضب الآخرين.