الحكومة رهينة شروط عون و”النفط الإيراني”… لماذا يستعجل “حزب الله” التطبيع مع النظام السوري؟

ابراهيم حيدر – النهار

حين كان الأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله يشدد في كلمته الأخيرة على وجوب تشكيل سريع للحكومة، لم يكترث لعدم دعوة لبنان ولا سوريا إلى حضور قمة العراق، وما يحمله هذا الأمر من أخطار على وضع لبنان وكيفية النظر إليه عربياً ودولياً. وللمفارقة أن نصرالله وهو يعلن عن سفينة نفط ثالثة بالاتفاق مع الإيرانيين جدّد هجومه على قاضي التحقيق في قضية انفجار المرفأ، معتبراً أن هناك نوعاً من الاستنسابية في التحقيق، وهو ما يعني أنه ممنوع على التحقيق أن يتقدم لفتح ملفات يمكن أن تطال كل المرحلة السابقة وانكشاف خلفياتها المحلية والإقليمية. هنا يتصرف “حزب الله” وكأنه المقرر في كل شيء، على رغم دعوته لتشكيل #الحكومة وهي معلّقة لاعتبارات داخلية وخارجية معاً، وتنسحب على وضع لبنان الذي يظهر اليوم مفككاً ومهملاً ومتروكاً لمصيره.




الأخطر أنه بينما تتعقد أمور التشكيل داخلياً، حيث ترتبط الاستعصاءات بمطالب الحصص والهيمنة على القرار الحكومي ويتصدرها التيار ال#عوني وموقع الرئاسة بالإصرار على الثلث المعطل وصولاً الى منع التشكيل، وبقاء الرئيس المكلف نجيب ميقاتي في حالة انتظار، يذهب “حزب الله” بعيداً في مشاريعه التي تؤثر على عملية التشكيل وتضع لبنان في مهب العقوبات والضغط الدوليين. فبالتوازي مع اعلانه عن سفن النفط التي لن تشكل حلاً لمشكلة بنيوية يعانيها اللبنانيون ويقبع بها البلد، يُصرعلى استعادة العلاقات الرسمية مع سوريا، وهو نجح في ضغوطه بتشكيل وفد رسمي لبناني لزيارة سوريا ولقاء المسؤولين فيها، ورئيس نظامها بشار الأسد، بهدف البحث في تفاهمات، وتوقيع معاهدة واتفاقات لتمرير الغاز المصري والكهرباء الأردنية إلى لبنان، علماً أن النظام السوري يضع شروطاً لتمرير المشروع والاستفادة بتأهيل شبكات الكهرباء السورية من ضمنه.

تتقاطع هذه التطورات في الموقف بين “حزب الله” ورئيس الجمهورية ميشال عون وتياره، أي الذهاب نحو الاصطفاف في محور الممانعة، خصوصاً بعد استثناء لبنان وسوريا من الدعوة إلى حضور قمة بغداد، وتنعكس أيضاً على التشكيل الحكومي، وهو ما جعل ميقاتي يتوقف عن الذهاب إلى قصر بعبدا لتقديم تشكيلة جديدة يعرف أنها ستقابل بالرفض من الرئيس عون، المصرّ على تسمية الوزراء المسيحيين ضمن الثلث المعطل، وهو ينتظر التطورات الخارجية بعد قمة بغداد واحتمالاتها على تشكيل الحكومة، خصوصاً بعدما تغيرت الأولويات عن مرحلة تكليف ميقاتي وباتت الضمانات التي تحدث عنها في مهب الريح.

سفن النفط الإيرانية والتطورات الخارجية المرتبطة بقمة بغداد، وتقدم “حزب الله” لجر لبنان إلى علاقات رسمية بسوريا، جعل الرئيس المكلف في وضع دقيق وحرج، يضاف اليها التعقيدات الداخلية والاستعصاءات التي تمنع عملية التشكيل، لذا قرر الانتظار قبل أن يُقدم على أي خطوة. ويشير مصدر سياسي متابع، إلى أن كلام ميقاتي الاخير حول الحكومة والسفن الإيرانية وقمة بغداد ومناشدته مساعدة لبنان الذي يحتضر، جعله يفرمل حركته إلى حين جلاء التطورات وكي لا يواجه إجراءات عقابية بعد وصول النفط الإيراني. وفي المقابل يُدرك ميقاتي أن الامور الداخلية غير مشجعة لتشكيل الحكومة، وهو الذي قال أنه يتلقى دعماً عربياً ودولياً عند تكليفه، وهو لمس بوضوح أن المشكلة عالقة عند رئيس الجمهورية الذي لا يريد تسهيل التشكيل قبل أن يحصل على ضمانات أقلها التحكم بقرار الحكومة، فيما عينه على المرحلة المقبلة المرتبطة باستحقاقي الانتخابات النيابية والرئاسية. ولذا لمس ميقاتي مباشرة أنه كلما تحقق اتفاق على مسألة، وتذليل عقدة، حتى تظهر عقبات جديدة وعقد تعيد الامور إلى نقطة الصفر.

والأمر لا يتعلق فقط بالحصص أو الحقائب أو آلية توزيعها على الطوائف، إنما أيضاً بالصلاحيات والنفوذ السياسي، وهو ما لا يقوى ميقاتي على استمرار السير في هذه الآلية وتقديم تنازلات تطيح بموقعه في بيئته، مكتشفاً أنه يواجه الاستعصاءات ذاتها التي واجهت سعد الحريري قبل أن يقدم اعتذاره عن التشكيل. لكن ميقاتي ابتدع صيغة وسطية أمام التعقيدات الداخلية والخارجية، فقرر الثبات على موقفه وعدم الاعتذار، وهو بذلك لا يتحمل مسؤولية انفجار البلد وتهاوي العملة الوطنية أو ادخال البلاد في معارك طائفية ومذهبية، وذلك على الرغم من أن لبنان ينزلق أيضاً إلى القعر في ظل الفراغ، إضافة الى استثمار الطوائف والمذاهب في الانهيار واصطفافاتها، فيما الطرف الأقوى أي “حزب الله” يملك أوراقاً كثيرة ويتصرف من خارج الدولة على ترتيب أوضاعه وضمان استمرارية قوته إلى أن يحين التفاوض بحثاً عن اتفاق أو تسوية، وهو بادر إلى استيراد النفط الإيراني انطلاقاً من هذه النقطة لتعزيز موقعه في أي مستجدات للمرحلة المقبلة.

لا يبدو في ظل هذه التطورات أن هناك قدرة لدى الرئيس نجيب ميقاتي على تشكيل الحكومة، وإذا استجد ما يسمح بالتشكيل، فإن المرجح أن تبقى الامور قيد التريث لجلاء المشهد بكامله، أي انتظار انعكاسات قمة بغداد، ووصول بواخر النفط الإيرانية، واحتمالات العلاقة مع النظام السوري، وهو أي ميقاتي لا يريد أن يتحمل أوزار أثقال كبيرة، تُحسب عليه مع تداعياتها على لبنان، ومنها احتمالات الانفجار. سيأخذ ملف الحكومة وقتاً أطول وربما إلى نهاية العهد، وذلك في ظل المتغيرات الداخلية والخارجية، لكن الاخطر في هذا السياق أن لبنان دخل في منعطف يشير إلى تفكك صيغته وانهيار نظامه، ذلك أن لا تراجع عند الرئيس ميشال عون إلا بتعديل اتفاق الطائف واستعادة الصلاحيات وتكريس مكتسبات تحققت بالامر الواقع وهو لن يتخلى عنها أبداً حتى لو بقي البلد بلا حكومة إلى ما بعد انتهاء ولاية العهد. وعلى هذا المسار تستثمر قوى سياسية وطائفية في بيئاتها وبالانهيار، وتتهاوى معها كل البنى المؤسساتية والاجتماعية، ولا أحد يعنيه النظام والدولة والمؤسسات والدستور، ويستمر الفراغ ليطيح بما تبقى من صيّغ تسووية يمكن البناء عليها، حتى اتفاق الدوحة لم يعد له وجود أمام مشاريع القوى الاهلية والطائفية، وبعضها الذي يأخذ لبنان إلى الساحات الإقليمية ويوظف فائض قوته للهيمنة والامساك بالقرار … ثم يسأل البعض لماذا لم يُدع لبنان إلى قمة بغداد؟