مساعدة الناس في لبنان لم تعد سهلة.. قصة طبيب استعان بدراجتين وسيارة أجرة لإنقاذ أم وجنينها

بينما كان متعوداً على قيادة سيارته لكي يصل إلى المستشفى في غضون 15 دقيقة، تغير الوضع في ظل أزمة الوقود الحادة التي دفعت الطبيب جوليان لحود، استشاري التوليد، إلى استقلال درَّاجتين ناريَّتين وسيارة أجرة للحاق بعملية ولادة طارئة في مستشفى فارغ وأضواؤه مطفأة لتوفير الكهرباء لمن يحتاجونها في غرف العناية المكثفة والعمليات.

هذه حالة واحدة ترسم صورة قاتمة للبلد الذي يعاني من أزمة وقود حادة تترك أثرها على المستشفيات التي فقدت معظم إمكانياتها وفقدت قدرتها على علاج الكثيرين ليتركوا للموت، حسبما سجلت صحيفة The Times البريطانية الجمعة 27 أغسطس/آب 2021.




وتعاني ملايين المنازل والشركات في جميع أنحاء لبنان من انقطاع التيار الكهربائي وتعطيل إمدادات الغذاء والمياه؛ حيث يصطف السائقون بالآلاف في محطات البنزين التي تعاني عجزاً في الوقود أو ليس لديها وقود على الإطلاق.

الأمم المتحدة حذَّرَت من جانبها، أن أربعة ملايين شخص- ثلثيّ سكَّان لبنان- قد يفقدون إمدادات المياه في الأيام المقبلة مع انقطاع التيار الكهربائي عن محطات الضخ.

كما غادر ما لا يقل عن 2.500 طبيب وممرِّض البلاد هذا العام، كجزءٍ من نزوحٍ جماعي أوسع للأشخاص الذين لا يزال لديهم المال من أجل الهجرة. كثيرون غيرهم ليس لديهم خيارٌ سوى البقاء، بينما تشعر أقليةٌ أنه من واجبهم البقاء.

رحلة الوصول إلى المستشفى

من بين أولئك الذين يحاولون التكيُّف، الدكتور جوليان لحود، استشاري التوليد الذي حكى عن حالةٍ طارئة من بين حالاتٍ كثيرة، حين كانت امرأةٌ قد داهمها المخاض مبكِّراً، وبما أنها أنجبت من قبل ثلاثة أطفال بعملياتٍ قيصرية، فقد استُدعِيَ لحود لحضور الولادة عالية الخطورة.

كان المستشفى، واقعاً على بُعدِ 15 ميلاً من عيادته في بيروت، لكن بسبب أزمة الوقود الحادة، اضطر لحود إلى استقلال درَّاجتين ناريَّتين وسيارة أجرة للوصول إلى هناك.

قال لحود: “صار عداد سيارتي فارغاً على الدوام. وضعت مؤخَّراً درَّاجةً في صندوق السيارة على سبيل الاحتياط، لاستخدامها في المسافات القصيرة، وإلا سأنتظر في طابور الوقود لمدةٍ قد تصل إلى خمس ساعات. هذا يجعل من المستحيل على معظم الأشخاص القيام بعملهم”.

كانت حالة الطوارئ الإثنين، 23 أغسطس/آب، بعيدةً عنه ولا يمكنه قطع المسافة بالدرَّاجة من عيادته إلى المستشفى. في المقابل، استقلَّ درَّاجة نارية يملكها أحد أصدقائه، حيث كان يحاول التسلُّل وسط الزحام، ثم قرَّرَ أن يوقف سيارة أجرة في نقطةٍ خفَّت فيها حركة المرور.

قال: “تحرَّكَت السيارة لمسافةٍ ما، ولكن كان هناك حاجز إضافي على الطريق بعد نفق نهر الكلب”.

أوقف لحود، 40 عاماً، راكب درَّاجة نارية أخرى وافق على نقله. وصل في الوقت المناسب، ودعا سائق الدرَّاجة النارية بـ”المنقذ” وشَكَرَه، فيما ظلَّ والد الطفل عالقاً في الزحام، وقد فات الأوان على حضور الولادة.

عندما وصل، كان المستشفى، مثل معظم المستشفيات في لبنان، بدون كهرباء. كان المستشفى يعتمد على مولِّدات الديزل لتشغيل غرفة العمليات وآلات الموجات فوق الصوتية وغيرها من المعدات، واضطر لإغلاق أجنحة كاملة، علاوة على مكيِّفات الهواء، لتوفير المال.

قال لحود، وهو أيضاً متخصِّصٌ في الصحة العامة ودَرَسَ في باريس والولايات المتحدة: “إن الأم والطفل بخير”، إلا أنه علَّق قائلاً: “لبنان ليس بخير”.

حالة من التدهور

ويفتقر لبنان إلى حكومةٍ فاعلة منذ عامٍ كامل، بعد استقالة حسان دياب من رئاسة الوزراء؛ في أعقاب الانفجار الذي وَقَعَ في مرفأ بيروت وأسفر عن مقتل أكثر من مئتيّ شخص، وتدمير جزءٍ كبيرٍ من وسط المدينة، مِمَّا أدَّى إلى تفاقم الأزمة المالية والمصرفية المتواصلة، والتي وصفها البنك الدولي بأنها الأسوأ منذ 150 عاماً.

وانهارت قيمة الليرة اللبنانية بنسبة 90% في عامٍ واحد، وأصبح الأجر الشهري الأساسي، الذي كان يعادل 450 دولاراً، يساوي الآن أكثر قليلاً من 30 دولاراً.

جاءت شرارة الأزمة الأخيرة قبل أسبوعين، حيث أعلن مصرف لبنان المركزي أنه لم يعد قادراً على إنفاق 800 مليون دولار شهرياً لدعم تكلفة المنتجات البترولية.

ورفض دياب، رئيس الوزراء المؤقَّت الآن، والرئيس عون، 87 عاماً، رفع الدعم بصورةٍ كاملة، لكن ذلك أدَّى إلى إيقاف معظم واردات الوقود وتسبَّبَ في حالةٍ من الذعر في الشراء.

السبت، 21 أغسطس/آب، أعلن عون تسعير البنزين بقيمة 8 آلاف ليرة للدولار، مِمَّا يضاعف الأسعار فعلياً. والعديد من محطات الوقود رفضت إعادة الفتح.

يقول الاقتصاديون إن هذا ليس حلاً طويل الأمد، لأنه يترك حافزاً كبيراً للتحوُّط والتهريب والتخزين، ليس فقط للوقود بل أيضاً لأيِّ سلعٍ مدعومة، بما في ذلك الأدوية. ولقد ازدهرت السوق السوداء، حيث يُباع البنزين الآن في عبواتٍ بلاستيكية بأسعارٍ مرتفعة، وقد ارتفعت أسعار الديزل 450% هذا العام.