هكذا فساد يتطلب هكذا مقاومة!

ظهر قبل ساعات من كتابة هذا المقال تسريب لفيديو تعذيب للسجاء في إيران، يبدو أن التسريب هو من سجن المعتقلين السياسيين، والذي يُظهر ضرباً وتعذيباً عنيفين، كما ويبدو في أحد مقاطع الفيديو رجل دين يخطو خارجاً من المبنى فوق جسد أحد المعذَّبين دون أدنى رد فعل. هي سياسة، والسياسة لا ضوابط أخلاقية لها في الدول المبنية على أيديولوجيات الحق المطلق، وهي الفكرة التي تبرر كل وسيلة مهما تدنى أسلوبها ومهما تباعدت هذه الوسيلة وأخلاقية الهدف المنشود.

تمسك المؤسسات الدولية الكبيرة شعوبها من أياديهم الموجوعة. فالتبرير الإيراني سيتطرق بلا شك لحماية العقيدة من المخربين، كما هو حال كل تبرير عقائدي معلب معد سلفاً لكل التعديات الحقوقية والإنسانية. الولايات المتحدة دفعت بمسلسل شهير مكلف التنفيذ، مسلسل 24، فقط لتبرر لنفسها تعدياتها الصارخة ولتزين فكرة تعذيب الأعداء وتبين استحالة تفادي هذه الممارسة أمام الشعب الأمريكي. الدافع هنا وطني، والدافع هناك ديني. ومن أجل حب الوطن وفداء لسلامة العقيدة، لطالما تم تمرير أسوأ الممارسات البشرية وأبشعها.




وقبل أيام ظهر فيديو يبين نزول السيد حسن نصر الله في إحدى ساحات لبنان، أعلنها الفيديو «ساحة العاشر من محرم» واصفاً السيد «بنجل الحسين». كان هياج المجمهور مؤثراً بحق ومخيفاً في آن. هناك حب، وولاء وانتماء حقيقيان، وجميعها لشخص السيد، شخصه بحد ذاته. والسيد بشر، مجرد بشر، يخطئ أكثر مما يصيب، فأن يكون له هذا الكم من السلطة النفسية على الناس، ألا يستطيع بها تمرير أي فكرة وتبرير أي وسيلة؟ أتصور أن السيد حسن نصر الله سيكون سياسياً أفضل بكثير لو أن جمهوره كان مراقباً محاسباً لا تابعاً مقدِّساً. لكنه ديدننا؛ نخلق الرموز، نعبدهم، ثم نسقط جميعاً في شر الاستبداد الذي صنعناه بأنفسنا.

وللسيد حسن دور كبير حالي في توفير الوقود للبنان من خلال استجلاب سفن إيرانية محملة بالوقود إليها والتي أعلنها السيد، أي هذه السفن «أرض لبنانية بمجرد إبحارها». وعلى حين أن هذه حركة قوية ومبهرة ومحرجة «للّاحكومة» اللبنانية، إلا أن السؤال المهم هو ما ثمنها؟ وكم من مصير ومستقبل ومقدرات لبنان تم تسليمه سابقاً وسيتم تسلميه لاحقاً لإيران؟ لكن حجتي هنا ضعيفة، مخملية وفارغة.

فأنا أتحدث من منطلق الشخص الآمن المستريح الذي تسري في بيته الكهرباء باستمرار، أتحدث وبكل رعونة مطالِبة شعباً «تعتّر» على أيادي حكومات فاسدة متعاقبة أن يقاوم رافضاً مساعدة حزب سياسي، وإن كان مريب العلاقات. وليكن الحزب مريباً، وليكن موالياً، وليكن مقايضاً بلبنان، أليس المهم أن يعيش الناس؟ أليس المهم أن تتوفر الحاجات الأساسية التي تحفظ الكرامة الإنسانية؟ نعم، هذا هو المهم، ولذلك مهما تبدى من علاقات مريبة، سيكون السيد حسن في الجانب «المقدس» فقد قدر على ما لم تقدر عليه حكومة بأكملها.

لكن، هل سيستطيع السيد حسن أن يشكل رد فعل إنساني حقوقي إسلامي تجاه فيديوهات التعذيب؟ هل سيتمكن من المغامرة بمازوت لبنان من أجل مبدأ، وما المبادئ إلا رفاهية المرتاحين؟ يعود بي السؤال لبداية المقال، أتفكر في هذه الطبيعة الإنسانية التي تدفعك لتبرير أبشع الوسائل بأنبل الغايات، أو التي تجعل من حقك المطلق جواز مرور وبطاقة مغفرة سارية، تسامح به نفسك على أبشع السلوكيات وتبرر به لروحك أفظع التنازلات.

سيمر فيديو التعذيب مرور الكرام، وستبقى علاقات حزب الله وإيران وطيدة، وسيبقى لبنان في المنتصف، ضمانة تعامل أو مادة مقايضة، وسيجد السيد حسن ألف تبرير لبشاعة التعامل الإيراني مع معتقلي النظام، يبرر بها علناً وسراً كذلك بينه وبين نفسه، وسيجد مريدو السيد ألف تبرير للألف تبرير المنطلقة من السيد حسن ليبرئوا ساحته وساحة النظام الذي يواليه، وليرفعوه أكثر لمصاف القديسين، عوضاً من أن يحاسبوه محاسبة البشر العاديين. نحن لا ننجو لأننا في طاحونة نفسية مستمرة بين ما نروج من أخلاقيات وما نعيش من مفاسد وما نعاني من انتهاكات من الأنظمة والحكومات. لقد ظهر سابقاً من تصرفات النظام الإيراني ما هو أبشع وأمضّ، يكفي اصطفافهم الواضح مع النظام السوري ضد الشعب المنكوب، ولم يدفع ذلك بالسيد حسن سوى لمزيد من الارتباط والتعاضد، فهل سيغير فيديو يتعذب فيه بعض الأشخاص المغمورين شيئاً؟ لا أعتقد، ولا أتصور المطالبة بهكذا تغيير هي مستحقة. هكذا فساد يتطلب هكذا معارضة.

القدس العربي