يوسف بزي - المدن

في محطة البنزين.. الرابعة فجراً – يوسف بزي – المدن

الثانية والنصف بعد منتصف الليل. قمر مهيب فوق آب بيروت. سماء مضيئة فوق، وآلاف البنايات قابعة تحت، في ظلامها الشامل. السكان النائمون غارقون في عرقهم ودبق فراشهم. الهواء اختفى. رطوبة بلا رحمة تغلي بها جلودنا. وحشة شاسعة توزّع رهاباً كابوسياً، تفاقمه جمرات بعض السجائر التي تلمع على شرفات ونوافذ متفرقة للذين هزمهم الأرق.

قبل سنتين وحسب، وفي مثل هذا الوقت، كان هناك مدينة أخرى نابضة صاخبة ساهرة محتشدة بالحياة والضوء. سنتان تكثف فيهما عمر كامل حتى الانطفاء. انقضى دهر في غضون 24 شهراً.. وحلت النهاية الوخيمة، كعقاب توراتي.




في حلكة هذه الساعة قبل الفجر، تصل السيارة الأولى وتقف أمام محطة الوقود المقفلة. سائقها يتمدد على مقعده محاولاً غفوة مستحيلة. بأقل من دقيقة اصطفت وراءه ثلاث سيارات. ولا نأمة تصدر عنهم. يغادرون إلى بيوتهم القريبة. صوت إلكتروني بعيد لجرس إنذار يمزق برتابته المريعة كل هذا السكون، كما لو أنه لعنة تتسلل إلى الجهاز العصبي.

العرق اللزج على رقبتي. شمعة هزيلة في يدي. السيجارة في فمي. الضباب في رأسي. أرى ولا أرى. أشباح عمال المحطة النائمون على سطحها.. أعمدة كهربائية ميتة وهي منتصبة كشواهد أخيرة على زمن كهربائي مضى. كلب شارد يركض كممسوس بفزع غامض. سعال يأتي من بناية مجاورة.

ثلاثة فناجين قهوة حتى الآن. إنها الرابعة فجراً. أهبط إلى سيارتي وأقودها أيضاً إلى المحطة. سبع سيارات أمامي. الطابور بدأ يتشكل قبل الدجى. أتخيل بشر أزمان الصيد والمطاردات الشرسة في السهوب اللامتناهية ما قبل التاريخ. الفلاحون البدائيون يخرجون قبل طلوع الشمس إلى شقاء الحقول على دروب الذئاب والضباع. الرعاة في تيههم الصحراوي يلاحقهم عطش أبدي.

بتنا الآن هناك في التواريخ الأولى لقبائل التقاتل على الماء والكلأ والصيد، مفعمين بغريزة حرب البقاء، بالسلب والقوة والشكيمة العنيفة. نلهث كذاك الكلب الشارد الفزِع في شوارع “بلاد الأشياء الأخيرة”.

يموت القمر المهيب مع الخيوط الأولى لضوء الفجر. تندلع الشمس بكل جبورتها الصيفي. استيقاظ بطيء للخدرين المنهكين الذين تقلّبوا طوال الليل على حافة النوم.. ربطة الخبز التي غنمها صاحبها للتو تبدو شهية بين يديه وهو يعبر تحت شرفتي. روائح القهوة تخرج من المطابخ التي لا تزال معتمة. البوق الأول لسيارة عابرة. صوت خطوات على الرصيف لسيدة متجهة إلى الفرن القريب. جرّار الدكان يصطخب وهو يرتفع. طابور السيارات بات الآن كيلومتراً على الأقل.

تهاجمني هواجس الاستعداد لحرب تعبئة البنزين: الزعران سيأتون ويحاولون اختراق الطابور. فتيان الدراجات النارية سيقتحمون المحطة بالتأكيد. أصحاب النفوذ بسياراتهم الضخمة وزجاجها الداكن، هم أيضاً سيستولون على دورنا بحقارة علنية ووقاحة استعراضية. دوريات الأمن التي ستنظم وتضبط هي أيضاً ستصحب معها سيارات المحظيين وتمنحهم الأولوية، عدا الغالونات التي سيملأونها قبل سياراتنا.

سأدخل حرب البنزين مهزوماً سلفاً. سأمضغ ذلي أو أحرقه بسجائر متلاحقة تجفف حلقي. ولن أعترض. سأنتظر الآن بلهيب آب تلك الليترات الذهبية الثمينة، مهما كلف الأمر.
بغتة تداهمني تصورات مرعبة. ماذا لو انفجر أحدهم غضباً في زحمة العراك الذي لا بد أن ينشب بين الجموع وأشعل المحطة وتحول المكان إلى لهيب وأجساد متفحمة. ماذا لو أشهر أحدهم مسدسه وأطلق الرصاص فأرداني ميتاً بالخطأ. أمسح خيالاتي الجهنمية متأملاً يمامة بلهاء فوق شريط كهربائي.

الساعة 12 ظهراً، يظهر الصهريج العظيم في أول الشارع كبشارة خلاص نحن البشر البائسين. تصل أيضاً صبايا جمعية “كاريتاس” يوزعن قناني المياه الصغيرة وحبات تفاح مجاناً، كما تفعل جمعيات الإغاثة الدولية في بلاد المجاعة والعطش.

لا يوصف “فرحنا” الواحد تلو الآخر ونحن نرى ذاك الخرطوم يلج تلك الفتحة السحرية في مؤخرة سياراتنا، فيما نرمق العدّاد الشديد السرعة للثمن، والشديد البطء للكمية. هذا قهر آخر لا محل له الآن في لحظة اغتنامنا السائل العجائبي.

الثانية ظهراً. انتهت المهمة. الحياة بكاملها تنطلق الآن: لا كهرباء. لا إنترنت. لا تلفزيون. لا خبز. لا دواء. لا هواء. لا نوم… هنا في هذا المكان الذي كان مدينة.