حازم الأمين

كيف يمكن أن يبتلع حزب الله الفضيحة؟ – حازم الأمين – الحرة

أتيح لنا في اليومين الفائتين في لبنان أن نعاين وجهاً قبيحاً آخر لمنظومة الفساد، هو غير وجهها القبيح الذي نعيش معه منذ زمن طويل! وجه كان متوارياً خلف الشاشات وخلف الكاميرات، وهو وجه التاجر المحتكر والشرير، الذي تمت مداهمة مستودعات الأدوية التي خبأ فيها كميات هائلة من الأدوية، ومخازن البنزين التي احتكر فيها الوقود وحرم الناس منه. لكن المفاجأة كانت بمدى التشابه بين وجه هذا التاجر وبين الحزب الذي صدر منه.

تشابه إلى حد التطابق، فالتدقيق في وجه محتكر الأدوية الحاج عصام خليفة لن يحيلك لغير حزب الله، أما إبراهيم الصقر، محتكر البنزين، فلا حزب يشبهه بقدر ما يشبهه حزب القوات اللبنانية. المفارقة التي حملتها وجوه المحتكرين هي غياب المفاجأة. أحزاب السلطة استثمرت بالانهيار، وراحت تحمي المحتكرين.




لا أسرار لتكشف، والفضيحة لم تعد تخدش حياء أحد. عصام خليفة هو أحد وجوه حزب الله في قضاء الزهراني، والكاميرات دخلت إلى مستودعاته ونقلت لنا صوراً لكميات هائلة من الأدوية التي قضى لبنانيون نحبهم بسبب فقدانها من الأسواق. جرى ذلك تحت أنظار وزير الصحة، الذي يبدو أنه ارتكب خطأ حزبياً بخطوته كشف المستودع، حاول لاحقاً ابتلاعه، لكن بعد فوات الأوان. أما إبراهيم الصقر فلطالما ظهر على الشاشات متلحفاً علم “القوات اللبنانية”، الحزب الذي يقول إنه انكفأ عن السلطة وإنه لن يشارك في الحكومات الفاسدة، وإذ به غارق في البنزين حتى عنقه.

فضيحة الأحزاب الأخيرة انضمت إلى حزمة الفضائح اللبنانية. بدءاً من فضيحة المصارف والسطو على الودائع ومروراً بفضيحة انفجار المرفأ ووصولاً إلى فضيحتي انفجار عكار الذي تسبب به تخزين نواب من تياري الوطني الحر والمستقبل المازوت تمهيداً لتهريبه إلى سوريا، ومخازن الدواء والبنزين. ثم أن توازناً حزبياً وطائفياً رهيباً يجمع بين أحزاب السلطة، على رغم أنها أحزاب متنافرة وتوظف على نحو دموي ومبتذلٍ صراعاتها لتغذية مشاعر الانقسام والكراهية، وإذ بها تتفق فيما بينها على نهب الدولة وتجويع الناس، ومعظمهم من مناصريها. لم يعد هذا استنتاج وصل إليه المرء بعد تحليل للوقائع، انما هو واقع بسيط وغير مركبٍ. واقع موثق بصور وفيديوات وقرائن لا تقبل الرد. فهل من شيء أوضح من وجه الحاج عصام خليفة للتعبير عن أن حزب الله يحمي المحتكرين؟ أما صلوات إبراهيم الصقر فهو يؤديها في ظل علم القوات اللبنانية وراياتها تحت أنظارنا كلنا ولا داعي لطلب الأدلة. هذا بالإضافة إلى أن تيار المستقبل قدم لنا نواباً إلى البرلمان لا صفة تمثيلية لهم إلا بوصفهم مهربين.

هذا هو لبنان الذي يريد حزب الله أن يحمي النظام فيه بـ”أشفار عيونه”، والذي اتهم أمين عام الحزب الناس فيه عندما قرروا النزول إلى الشارع ضد أهل النظام بأنهم عملاء السفارات. فأي محاولة للتصدي لهذه الجرائم المعلنة والمصورة هي مؤامرة تستهدف النظام الذي يحتضن الحزب ويؤمن له قاعدة سياسية وطائفية للمهمة التي أناطها به الراعي الإقليمي.

والحال أن جميع القوى في لبنان متورطة بتأمين هذه المهمة للحزب، خصومه قبل حلفائه، ذاك أن نظام الاستتباع لا يشتغل من دون ماكينزمات الصراع المذهبي التي يؤمنها للحزب خصومه، فيما يؤمن له حلفاؤه مهمة تفوقه ضمن هذه المنظومة.

ممنوع إسقاط النظام، قالها أمين عام الحزب حسن نصرالله عام 2019، وها نحن نختبر ما عناه الرجل في ذلك الوقت. لكي لا يسقط هذا النظام، علينا أن لا نحاسب مرتكبي انفجار المرفأ، وأن نتهم القاضي بتسييس التحقيق، وعلينا أيضاً أن لا نذهب إلى اتهام تياري “المستقبل” و”التيار الوطني” بالتسبب بكارثة عكار، وآخر ما علينا فعله هو أن نشيح بوجوهنا عن صورة عصام خليفة بمجالس الحزب الكربلائية. وكنا توهمنا أن الاستفراد بابراهيم الصقر ممكناً في ظل الخصومة بين حزبه وبين حزب الله، إلا أن ذلك يجب أن يحصل من دون التسبب بتعطيل محرك السلطة الذي يحتاج إلى الخصوم لكي يشتغل.

لكن الاهتراء وصل على ما يبدو إلى أماكن لم يعد ممكناً معها ضبط الانهيارات. فوزير الصحة، وهو من وزراء حزب الله، ارتكب خطأ سببه هذا الاهتراء، ذاك أنه توجه إلى مخازن أدوية تعود لرفيق درب له. والفضيحة الأكبر من فضيحة كشف مخزن الأدوية، تمثلت بالفيديو الذي حاول فيه الوزير التراجع عن اتهام الحاج عصام خليفة. أمام اللبنانيين شريطي فيديو الأول للوزير في مخزن الأدوية ويتهم فيه خليفة بأنه محتكر ومتسبب بموت الناس، والثاني يقول فيه حرفياً أن خليفة محتكر ولكن قليلاً وليس كثيراً.

الغريب هنا هو أن المهربين أقوى من أحزابهم، ذاك أن حزب الله كان بإمكانه تجنب الفضيحة عبر التخلي عن الحاج المحتكر وأن يطلب محاسبته، وبهذا يكون قد خفف من خسائره، كذلك الأمر بالنسبة لحزب القوات اللبنانية. الحزبان اختارا طريقاً أخرى، ويبدو أنهما بصدد خوض معركة الدفاع عن مرتكبيهم، فالنظام لا يحتمل تردداً في خوض معركة مواصلة الفساد.