راجح الخوري - النهار

أين كانت دولة التهريب؟ – راجح خوري – النهار

أين كانت هذه الدولة المسخرة وأين كان مسؤولوها واجهزتها قبل عام تقريباً، عندما اتخذت الحكومة الغاشية المستقيلة، قرار الدعم ودقّت طبوله في اجتماع عُقد في بعبدا، واعتبرت الأمر نصراً مبيناً يمكن ان يكمّل الـ 97٪ من الإنجازات العظيمة، التي كان حسان دياب قد تحدث عنها، بينما كانت البلاد تنهار والفقر يتغوّل والفوضى تتصاعد، وجهنم التي وعدنا بها فخامة الرئيس ميشال عون تقترب بسرعة، ولا من يريد ان يسمع تكرار دعوات فرنسا والدول الأوروبية المانحة، الى تشكيل حكومة تبدأ بتنفيذ برنامج إصلاحي، بما يفتح الباب امام المساعدات التي يحتاج اليها هذا البلد المتعوس؟

فعلاً اين كانت الدولة، من رأس الهرم الى آخر دركي في الأمن الداخلي او عنصر في أمن الدولة أو آخر جندي في الجيش، في خلال عام كامل من تنفيذ سياسة الدعم الغبية مرتين، مرة لأن هذا الدعم الذي كلفنا اكثر من 16 مليار دولار من ودائع الناس في البنك المركزي، ذهب نصفه واكثر الى الشقيقة سوريا عبر الحدود المفتوحة، لتهريب البنزين والمازوت والأدوية والمواد الغذائية، وتحديداً على ايدي السياسيين والنواب وأصحاب “الوصاية الأبوية” على الدولة والبلد، وذهب النصف الثاني الى التجار والمحتكرين والمستوردين الذين خزّنوا المواد المدعومة، وتركوها تنفد من الأسواق ليفرضوا الأسعار المضاعفة على عين الدولة المسخرة ومسؤوليها الذين يغطون كل هذه السرقات والقباحات!




هل لاحظ المسؤولون في هذه الدولة البائسة ان سوريا تعمدت مرتين حتى الآن وآخرهما قبل أيام، رفع أسعار صفيحة البنزين عندها لتصبح الآن 13 دولاراً، بعد اجتماع بعبدا الذي قرر رفع فرق السعر الى الدولار من 3900 الى 8000 ليرة، بما يجعل ثمن صفيحة البنزين 6,5 دولارات، وهذا ما سيشجع منظومة التهريب الى سوريا ويجعلها تربح مئات ملايين الدولارات التي سيتكبدها بالتالي البنك المركزي ومما بقي من أموال المودعين، على اعتبار ان وزارة المال “تصوفر” كما يعرف غازي وزني وغيره، ولن يكون في وسعها تأمين مبلغ الـ 225 مليون دولار الذي قيّد على موازنة السنة المقبلة، هذا اذا بقيت الدولة اللبنانية المسخرة الى السنة المقبلة!

أعود الى السؤال: أين كانت الدولة من رأسها الى آخر أمني فيها، في خلال عام كلفنا عبر الدعم او بالأحرى عبر التهريب والإحتكار والتخزين، ما يزيد على 16 ملياراً من الدولارات، لنفاجأ منذ الأسبوع الماضي يومياً، بالإعلان عن البطولات المتمثلة بمداهمة محطات الوقود وآبار تخزين البنزين والمازوت، بملايين الليترات، والناس منذ اشهر في ذل الإنتظار والنوم امام المحطات، وحتى الإشتباكات ووقوع القتلى غباءً طبعاً.

فجأة صار هناك دولة ووزراء وأجهزة امنية ومداهمات لمخازن هائلة من الأدوية المفقودة من الصيدليات، وقد جرى احتكارها لبيعها بأسعار مضاعفة، فجأة اكتشفنا مخازن كبيرة لحليب الأطفال المفقود من الأسواق وقد خزّنوه على سعر الدعم الأولي أي 1500 ليرة للدولار ليسلخوا جلد الناس على سعر 20000 الف ليرة للدولار.

وتكراراً نسأل: فجأة صار هناك دولة تكتشف كما سبق وقلت، ان لبنان يعوم على بحيرة من البنزين، إضافة طبعاً الى ما تمّ وسيظل يتمّ طبعاً تهريبه الى سوريا، وأين كانت الدولة وأجهزتها، هل كانت لاهية بعملية ترتيب المحاصصات في تشكيل الحكومات، والتمسك بالحقائب والأسماء، وما الذي ايقظ النائمين في فراش السلطة الوثير، والذين بالمناسبة لن يهمهم لو مات المواطن سليمان عبود امام مكتب مأمور النفوس، في انتظار اخراج قيد يحتاجه لإدخال ولده الى المدرسة، لأنه في كهوف الدولة اللبنانية لا توجد أوراق لإخراج القيد، فقد اكلها الفاسدون والسرّاقون، الذين يضحكون الآن في عبّهم كلما سمعوا من يتحدث عن “التدقيق الجنائي”، لأنه في دولة الملائكة ليس هناك من جناة غير المواطنين البؤساء!